حين تنقلب ذاكرة التحالفات: الأصالة والمعاصرة وأحزاب الكتلة
الأنوال نيوز
مع انطلاق الحديث عن تشكيل الحكومة الجديدة، عادت إلى الواجهة تلك اللعبة المفضلة لدى الإعلام السياسي المغربي: تركيب خرائط التحالفات المحتملة، وحساب المسافات بين الأحزاب، والبحث عن «العائلة السياسية» التي يمكن أن تشكل عصب الأغلبية المقبلة. وفي هذا السياق، بدأ بعض الإعلاميين والمحللين السياسيين في لقاءاتهم يتحدثون عن احتمال أن يكون حزب الأصالة والمعاصرة أقرب إلى أحزاب الكتلة الديمقراطية، بل إن بعض القراءات ذهبت إلى تصور حكومة يكون عمادها الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية .
ليس في طرح السيناريوهات ما يثير الاستغراب، فالسياسة تقوم، في جانب منها، على التفاوض وإعادة ترتيب المواقع وبناء التحالفات. لكن ما يستحق التوقف عنده هو الطريقة التي يجري بها أحيانا تقديم هذه الاحتمالات: فبدلا من أن تكون مجرد قراءة في موازين القوى الراهنة، تتحول إلى ما يشبه إعادة صياغة للتاريخ السياسي للأحزاب المغربية، وكأن التقارب الحكومي المحتمل بين أحزاب كانت متباعدة في الماضي يكفي لكي يجعلها تنتمي إلى التاريخ السياسي نفسه، وهنا يصبح استحضار الذاكرة ضروريا.
فـ«الكتلة الديمقراطية» لم تكن في أصلها مجرد صيغة انتخابية أو ائتلافا ظرفيا لتقاسم المقاعد الحكومية. لقد تأسست سنة 1992 من خمسة أحزاب هي حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي. وكان ميثاقها يتحدث صراحة عن تكتيل القوى الوطنية الديمقراطية، وإقرار إصلاح دستوري عميق، وترسيخ دولة المؤسسات وتوازن السلط وسيادة القانون، وإرساء مؤسسات ديمقراطية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية والتقدم.
قد تختلف القراءة السياسية لهذه التجربة، وقد تكون الكتلة نفسها قد مرت بتحولات وانقسامات وتباينات في المواقف، لكن شيئا واحدا لا يمكن إنكاره: إنها كانت نتاجا لمسار سياسي ونضالي تاريخي معروف ، ولم تكن مجرد تسمية قابلة لأن تطلق على أي تحالف حكومي يجمع بعض أحزابها القديمة بحزب آخر ظهر بعد ذلك بستة عشر عاما.
أما حزب الأصالة والمعاصرة فقد ولد في سياق مختلف تماما، بدأت قصته مع «حركة لكل الديمقراطيين»، التي ارتبطت بفؤاد عالي الهمة، قبل أن تتحول المبادرة إلى حزب سياسي سنة 2008. وفي غشت من تلك السنة تم الإعلان عن حزب الأصالة والمعاصرة إثر اندماج خمسة أحزاب هي الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب العهد، وحزب البيئة والتنمية، وحزب رابطة الحريات، وحزب مبادرة المواطنة والتنمية.
ولم يكن ميلاد الحزب حدثا عاديا في الحياة الحزبية المغربية. فقد رافقته منذ البداية سجالات حادة حول طبيعته وموقعه في الحقل السياسي. وذهبت أحزاب وشخصيات سياسية إلى اعتباره استمرارا لما كان يعرف في الأدبيات السياسية المغربية بـ«الأحزاب الإدارية»، فيما ارتبط هذا النقاش تحديدا بشخص فؤاد عالي الهمة، الذي كان قد شغل منصبا في وزارة الداخلية ثم أصبح مستشارا للملك. وتشير الدراسات التي تناولت نشأة الحزب إلى أن الأحزاب التقليدية الكبرى نظرت إلى ظهوره باعتباره امتدادا لذلك النوع من الأحزاب التي ارتبط تأسيسها تاريخيا بالدولة، وكان التعبير الأكثر دلالة يومها هو «الوافد الجديد».
ولم يكن وصفا محايدا تماما؛ فقد كان يحمل في داخله موقفا سياسيا من شرعية النشأة ومن طبيعة الحزب. فالأحزاب التي كانت تعتبر نفسها وليدة المجتمع والنضالات السياسية والاجتماعية، والتي راكمت عقودا من المعارضة والصراع والتضحيات، لم تكن مستعدة بسهولة لأن تضع التنظيم الجديد في الخانة نفسها التي تضع فيها الأحزاب ذات الجذور التاريخية والاجتماعية.
ومن هنا نفهم أيضا لماذا كان بعض خصوم الأصالة والمعاصرة يتحاشون حتى تسميته «حزبا» بالمعنى السياسي الذي تحمله الكلمة؛ إذ كان الاعتراض في جوهره أن الحزب، في نظر منتقديه، لم يكن إفرازا طبيعيا لتطور المجتمع السياسي المغربي، وإنما نتاجا لعملية سياسية من أعلى، أو، بلغة أكثر حدة استعملها خصومه، «ولادة قيصرية».
قد يختلف معنا الكثيرون اليوم حول صحة هذا الوصف، وأن يعتبرونه حكما سياسيا صادرا عن خصوم الحزب في لحظة تأسيسه، لا حقيقة علمية نهائية، لكن لا يمكن إنكار أن هذا كان جزءا أساسيا من السجال السياسي الذي رافق ولادته، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا حدث بعد ذلك؟
المفارقة أن الأصالة والمعاصرة لم يبدأ، في مساره السياسي، بالاقتراب من أحزاب الكتلة الديمقراطية التي كانت ترفضه وتنتقد طبيعته؛ بل إن المسار اللاحق أظهر، في محطات مختلفة، أن بعض الأحزاب التي كانت تنظر إليه بوصفه «وافدا جديدا» هي التي أصبحت تقترب منه حين أصبحت المشاركة في السلطة والحكومة هي المسألة المطروحة.
وهنا لا بد من التوقف عند تجربة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لا باعتبارها حالة استثنائية، وإنما باعتبارها مثالا كاشفا لطبيعة التحولات التي عرفتها الخريطة الحزبية المغربية.
فالاتحاد الاشتراكي كان من القوى الأساسية التي نظرت بعين نقدية إلى الأصالة والمعاصرة عند ظهوره. وكان من الطبيعي، بالنظر إلى تاريخه ومرجعياته، أن ينظر بحذر إلى حزب نشأ في سياق مختلف، وارتبط اسمه بشخصية نافذة في الدولة مثل فؤاد عالي الهمة. لكن السنوات اللاحقة أظهرت أن (عند البعض او الكثير ) الخصومة السياسية ليست بالضرورة أبدية، وأن ما يبدو في لحظة معينة تناقضا مبدئيا قد يصبح، في لحظة أخرى، مجرد اختلاف يمكن تجاوزه عندما تتغير شروط ممارسة السياسة.
وقد بلغ هذا التحول محطة واضحة سنة 2017، عندما شارك الاتحاد الاشتراكي في حكومة سعد الدين العثماني إلى جانب أحزاب كانت تصنف في الأدبيات السياسية المغربية ضمن ما كان يسمى «الأحزاب الإدارية». وحصل الاتحاد الاشتراكي آنذاك على ثلاث حقائب وزارية، وهي المشاركة التي جرت على إدريس لشكر وقيادة الحزب انتقادات واسعة، بما فيها انتقادات من داخل الحزب نفسه.
والدلالة هنا ليست في إدانة مشاركة الاتحاد الاشتراكي في الحكومة، فلكل حزب الحق في إعادة تقدير مواقفه واختيار موقعه السياسي، كما أن السياسة لا يمكن أن تكون "سجنا للمواقف القديمة" بل إن إدريس لشكر نفسه قدم آنذاك تبريرا سياسيا للمشاركة، مؤكدا أن الحزب لا ينظر إلى المشاركة الحكومية باعتبارها غاية في ذاتها وإنما باعتبارها مرتبطة بما يمكن تحقيقه من "مكاسب للبلاد والمواطنين".
لكن ما يهمنا هو شيء آخر: إذا كان الاتحاد الاشتراكي قد استطاع أن ينتقل من موقع الرفض والتحفظ تجاه الأصالة والمعاصرة إلى موقع المشاركة في حكومة ضمت قوى كان يصنفها سابقا ضمن خانة مختلفة، فلماذا نعيد اليوم تفسير هذا التحول باعتباره دليلا على أن الأصالة والمعاصرة هو الذي اقترب من الكتلة؟
أليس الأصح أن نقول إن قواعد التحالف السياسي تغيرت، وإن أحزابا كانت تتواجه حول طبيعة الأصالة والمعاصرة وموقعه في الحقل السياسي أصبحت، في مراحل لاحقة، مستعدة للتعامل معه كشريك حكومي؟ بل اصبحت تلاحقه؟
هذا الفرق في صياغة السؤال ليس شكليا، لأن القول إن «الأصالة والمعاصرة اقترب من أحزاب الكتلة» يوحي بأن الحزب نفسه تحرك باتجاه فضاء سياسي كان بعيدا عنه، بينما قراءة المسار التاريخي تكشف صورة أكثر تعقيدا: الأحزاب التي كانت تنظر إلى الأصالة والمعاصرة باعتباره وافدا على المشهد اضطرت، مع تغير موازين السياسة وشروط تشكيل الحكومات، إلى إعادة تعريف علاقتها به.
وهذا لا يعني أن الأصالة والمعاصرة لم يتغير كما يصرح بذلك العديد من المنتسبين اليه: " لقد تغير كثيرا منذ لحظة تأسيسه لان فالزمن السياسي كفيل بتحويل التنظيم الجديد إلى حزب ذي مؤسسات وقيادات وقواعد انتخابية وتجربة حكومية، ولا يمكن اختزال حزب اليوم في ظروف ولادته سنة 2008".
لكننا نقول بان التغير الذي طرأ على الحزب لا يسمح في المقابل بإعادة كتابة تاريخ ولادته، فالذاكرة السياسية لا تلغى بمجرد تغير التحالفات.
وهنا تحديدا يبدو أن بعض التحليلات الإعلامية تقع في نوع من الخلط عن قصد بين مستويين مختلفين: مستوى هندسة الأغلبية الحكومية، ومستوى الهوية التاريخية والسياسية للأحزاب.
في المستوى الأول، يمكن أن يجتمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي في حكومة واحدة، ويمكن أن تتسع الدائرة لتشمل أحزابا أخرى، وهذا شأن المشاورات السياسية وموازين القوى.
أما في المستوى الثاني، فلا يمكن أن نضع الأصالة والمعاصرة فجأة داخل التاريخ السياسي للكتلة الديمقراطية، كما لا يمكن أن نعتبر كل تحالف بين حزبين دليلا على انتمائهما إلى المرجعية السياسية نفسها.
فالاستقلال ليس الاتحاد الاشتراكي، والاتحاد الاشتراكي ليس التقدم والاشتراكية، والكتلة الديمقراطية ليست مجرد مجموع المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب التي شكلتها في مرحلة تاريخية معينة. وبالمثل، فإن الأصالة والمعاصرة ليس حزبا من أحزاب الكتلة لمجرد أنه قد يجلس معها في حكومة واحدة.
إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المحللين السياسيين "بتوع اخر زمن" ليس فقط: من يقترب من من؟ وإنما: لماذا تغيرت المسافات السياسية بين هؤلاء الفاعلين؟ وهنا تصبح قصة الأصالة والمعاصرة أكثر دلالة.
فالحزب الذي كان يوصف عند ولادته بأنه «الوافد الجديد»، والذي واجه اتهامات بأنه مشروع صيغ من أعلى وليس تعبيرا طبيعيا عن تطور المجتمع السياسي وانه حزب ولد بملعقة من ذهب في فمه، أصبح بعد سنوات شريكا ممكنا لقوى سياسية كانت ترفضه أو تتحفظ عليه. وهذا التحول لا يمكن فهمه فقط من خلال شخصية فؤاد عالي الهمة أو من خلال ظروف تأسيس الحزب، كما لا يمكن فهمه فقط من خلال النتائج الانتخابية؛ وإنما يحتاج إلى قراءة أوسع لتحول وظيفة الأحزاب نفسها ونخبها داخل النظام السياسي المغربي، وهنا تكمن أهمية التمييز بين التاريخ السياسي للأحزاب وبين سلوكها الائتلافي.
قد يتغير الحزب، وقد تتغير قيادته، وقد يتغير خطابه، وقد تتغير مصالحه، وقد تتغير طبيعة العلاقة بينه وبين الدولة والمجتمع. وقد ينتقل حزب من المعارضة إلى الحكومة، أو من الرفض إلى المشاركة، أو من الخصومة إلى التحالف، كل ذلك جزء طبيعي من السياسة. لكن لا يجوز أن يتحول هذا التغير إلى ذريعة لمحو الماضي أو لإعادة ترتيب التاريخ وفق تحالفات اللحظة.
ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن احتمال تشكيل حكومة يكون عصبها من الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي يمكن أن يكون موضوعا مشروعا للتحليل، لكن وصفها بأنها عودة للكتلة الديمقراطية، أو تقديم الأصالة والمعاصرة باعتباره أصبح «أقرب إلى أحزاب الكتلة»، يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة.
فالكتلة الديمقراطية نشأت من رحم تجربة سياسية واجتماعية محددة، وبميثاق واضح وأهداف معلنة تتعلق بالإصلاح الدستوري والديمقراطية ودولة المؤسسات والعدالة الاجتماعية. أما الأصالة والمعاصرة فقد ولد في سياق آخر، ومن مسار تنظيمي آخر، وبمرجعيات ومسارات مختلفة.
وإذا اجتمعت هذه القوى اليوم في حكومة واحدة، فإن ذلك سيكون حدثا سياسيا يستحق الدراسة، لا مناسبة لإعادة كتابة شجرة النسب الحزبي.
ولعل السؤال الأكثر أهمية، في هذه الحالة، ليس ما إذا كان الأصالة والمعاصرة قد اقترب من الكتلة، وإنما ما الذي جعل المسافة بين الأمس واليوم تتغير إلى هذا الحد؟
كيف انتقل حزب كان يرفض حتى الاعتراف به باعتباره «حزبا طبيعيا» إلى موقع أصبح معه الآخرون يتقربوم منه و يتفاوضون معه حول السلطة والحكومة؟
وكيف انتقلت أحزاب كانت تنظر إليه باعتباره «وافدا جديدا» إلى التعامل معه بوصفه شريكا سياسيا مشروعا؟
هذا التحول هو الذي يستحق أن يكون موضوع التحليل، لا مجرد أسماء الحقائب الوزارية.
أما السؤال الذي يطرحه العديد من المتتبعين الشان السياسي والاعلامي المغربي عما إذا كان بعض هؤلاء الإعلاميين يتعمدون تضليل الناس عندما يقدمون هذه الصورة، أم أنهم يفتقرون إلى التكوين التاريخي والسياسي الضروري، فينبغي التعامل معه بحذر، فالحكم على النيات يحتاج إلى دليل. وقد يكون السبب أحيانا نقصا في المعرفة بتاريخ الأحزاب، أو الاستعجال في صناعة السيناريوهات، أو اختزال السياسة في حساب المقاعد والمناصب، أو الخلط بين التحليل وبين التكهن، لكن مسؤولية الإعلام السياسية تظل قائمة في جميع الأحوال.
فالمحلل الجاد لا يكتفي بأن يقول لنا من يمكن أن يتحالف مع من، وإنما يشرح لنا كيف وصل هؤلاء إلى هذه النقطة، وما الذي تغير في مواقعهم، وما الذي بقي ثابتا في هوياتهم ومرجعياتهم.
ذلك أن التحالفات يمكن أن تتغير من حكومة إلى أخرى، وربما من مشاورات إلى أخرى، أما التاريخ السياسي فلا ينبغي أن يتغير بالسرعة نفسها، لانه في السياسة، كما في التاريخ، هناك فرق كبير بين أن تتجاور القوى حول طاولة واحدة وأن تكون قد جاءت من الطريق نفسه.
وهذا الفرق، في الحالة المغربية، ليس تفصيلا صغيرا، بل مهم ومركزي وهذا ما اردنا قوله من خلال مقالنا هذا.

جلالة الملك يدعو إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى.. الأمن المائي والطاقي والغذائي والصناعة والذكاء الاصطناعي في صلب التحول التنموي
الكاميرون : مساندة دبلوماسية لابطال الوطن.. المغرب حاضر بقوة في مونديال النانبودو W.N.F بياوندي
الصحراء أمام قرار أكتوبر: هل يقترب مجلس الأمن من تثبيت الحكم الذاتي كمدخل للحل؟
أوكي..