الحدث المأساوي للنزوح إلى سبتة المحتلة وقضية الوحدة الترابية: أسئلة السياسة الخارجية والسيادة الوطنية
العلمي الحروني – منسق تيار اليسار الجديد المتجدد
الجزء الثالث: الحدث المأساوي للنزوح إلى سبتة المحتلة وقضية الوحدة الترابية: أسئلة السياسة الخارجية والسيادة الوطنية
في إطار متابعة الحدث المأساوي للنزوح الجماعي إلى سبتة المحتلة، وما كشف عنه من أسئلة عميقة حول الأوضاع الوطنية والخلفيات الإقليمية والدولية المحيطة به، نواصل في هذا القسم تفكيك تداعيات الحدث من زاوية أخرى، تتصل بقضية الوحدة الترابية المغربية وبكيفية إدارتها ضمن السياسة الخارجية للمملكة، وبطبيعة المواقف التي تبنيها الدول تجاه المغرب ومدى قابليتها للاستمرار والثبات.
قضية الصحراء المغربية قضية وطنية مركزية وهذا أمر طبيعي ومنطقي لأنها تحظى بإجماع الشعب المغربي. غير أن المشكلة ليست في جعل قضية الصحراء أولوية في السياسة الخارجية المغربية، وإنما في أن تتحول هذه القضية إلى معيار شبه وحيد لتقييم الدول والعلاقات معها. فالخطاب الملكي نفسه وضع هذا التوجه بصيغة صريحة عندما أكد الملك محمد السادس، في خطابه بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب يوم 20 غشت 2022، ما يفيد أن قضية الصحراء هي "المنظار الذي ينظر من خلاله المغرب إلى محيطه الدولي" و"أنه المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات". وبذلك أعاد الخطاب تعريف موقع قضية الصحراء داخل السياسة الخارجية، من ملف دبلوماسي مركزي تسعى المملكة إلى حشد الدعم له، إلى "أداة لقياس طبيعة العلاقات الدولية للمغرب وصدقية شركائه" وفق التعبير الرسمي نفسه.
غير أن هذا التوجه يطرح إشكالا آخر يتجاوز الدفاع عن الوحدة الترابية إلى كيفية إدارة السياسة الخارجية ذاتها. فإذا أصبحت مواقف الدول من قضية الصحراء معيارا أساسيا للحكم على صداقاتها وشراكاتها، فقد تتحول الدبلوماسية تدريجيا من إدارة متوازنة للمصالح الوطنية في شموليتها إلى نوع من سياسة المكافأة والعقاب الدبلوماسي: مكافأة الدول التي تتبنى الموقف المغربي أو تقترب منه، بينما تتعرض علاقات الدول لإعادة التقييم كلما ظلت مواقفها "غامضة" أو غير منسجمة مع الرؤية المغربية.
تتضح حساسية هذا الأمر أكثر عندما نضع قضية الصحراء ضمن شبكة المصالح المتعددة والمتشابكة التي تربط المغرب بمختلف الدول. فلا تكمن المشكلة هنا في مبدأ ربط السياسة الخارجية بالدفاع عن المصالح الوطنية، فهذا أمر بديهي في العلاقات الدولية، وإنما في احتمال اختزال هذه الشبكة في معيار واحد. فالدولة، أية دولة، قد تكون شريكا اقتصاديا بالغ الأهمية أو حليفا أمنيا أو طرفا مؤثرا في قضايا الهجرة والطاقة والتجارة والاستثمار، وفي الوقت نفسه قد لا تتبنى الموقف المغربي نفسه من قضية الصحراء. فهل ينبغي أن يطغى موقفها من قضية واحدة على مجمل تقييم العلاقة معها؟ هذا هو السؤال الذي يستحق البحث.
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بتقديم حوافز أو امتيازات اقتصادية وسياسية ملموسة في مقابل مواقف دبلوماسية غير ثابتة. فالموقف الذي يصدر عن حكومة معينة ليس بالضرورة موقفا دائما للدولة؛ إذ يمكن أن يتغير بتغير القيادات السياسية أو الحكومات أو موازين القوى الداخلية أو المصالح الاستراتيجية لتلك الدول. ومن ثم فإن تحويل مكسب دبلوماسي قد يكون آنيا إلى تنازل اقتصادي أو سياسي دائم يطرح سؤالا حول مدى تناسب المقابل الذي تدفعه الدولة المغربية مع قيمة المكسب الذي تحصل عليه.
ولعل الحالة الإسبانية تقدم المثال الأكثر وضوحا على هذه الإشكالية، ليس فقط بسبب أهمية العلاقات المغربية-الإسبانية، وإنما أيضا لأن ملفي الهجرة وسبتة ومليلية يجعلان أي تحول في هذه العلاقة قابلا للانتقال سريعا من المجال الدبلوماسي إلى قلب السياسة الداخلية الإسبانية. فما مدى قدرة الموقف الإسباني الحالي على الصمود عندما تتغير موازين المصالح والضغوط الجيوسياسية؟
الواقع الملموس، أن ضغط الهجرة وملف سبتة ومليلية أديا إلى صعود خطاب في اسبانيا أكثر تشددا تجاه المغرب. لكن، هل، في حالة وصول اليمين إلى الحكم في اسبانيا بعد انتخابات 2027، سيعتبر موقف بيدرو سانشيز من الصحراء جزءا من "إرثه السياسي" الذي ينبغي مراجعته، أم سيعتبره اليمين مصلحة استراتيجية إسبانية يجب الحفاظ عليها؟ هل يبقى الالتزام الإسباني بمبادرة الحكم الذاتي ثابتا، أم يصبح أحد عناصر المراجعة في السياسة الخارجية الجديدة؟
فماذا يقول اليمين الإسباني فعلا؟ الممثل أساسا في الحزب الشعبي بقيادة ألبرتو نونييث فيخو، ومعه حزب فوكس Vox بقيادة سانتياغو أباسكال.
بالنسبة إلى الحزب الشعبي (PP)، أصبح الموقف حاليا أكثر غموضا مما كان عليه قبل سنوات. ففي يونيو 2026 نقل عن بورخا سيمبر، المتحدث باسم الحزب، تصريحات مفادها أن حكومة فيخو، إذا وصلت إلى السلطة، ستبدأ أولا بفهم أسباب التحول الذي قام به سانشيز، ثم تتخذ قرارات سياسية بشأنه.
وهذا ليس مجرد احتمال مستقبلي، إذ توجد بالفعل سابقة واضحة للمطالبة بالتراجع من طرف هذا الحزب. فبعد إعلان بيدرو سانشيز في مارس 2022 دعمه لمقترح الحكم الذاتي المغربي، لم يكتف حزب الشعب بقيادة ألبرتو نونييث فيخو بانتقاد طريقة اتخاذ القرار، بل طرح في البرلمان الإسباني سنة 2024 مبادرة طالبت صراحة بإلغاء التحول الذي قام به سانشيز وسحب الدعم الأحادي للموقف المغربي بشأن الصحراء. لسنا إذن أمام مجرد احتمال نظري بأن حكومة يمينية قد تغير الموقف، وإنما أمام موقف برلماني سابق للحزب الذي قد يقود الحكومة المقبلة إلى مراجعة التحول الذي قام به سانشيز.
غير أن فيخو سبق له أن حرص على طمأنة المغرب بأنه يريد سياسة خارجية "موثوقة" تجاه الرباط، وقال إن "التحالف مع المغرب غير قابل للتشكيك"، مع رفضه طريقة سانشيز في اتخاذ قرار الصحراء. بمعنى أنه يرى أن العلاقة مع المغرب مهمة، لكن لا يعني ذلك بالضرورة قبول الصيغة التي اعتمدها سانشيز في ملف الصحراء. وهذا تحديدا ما يجعل موقف هذا الحزب جديرا بالدراسة.
في يونيو 2025، عندما سئل فيخو عن الالتزامات التي قطعتها إسبانيا للمغرب، قال إنه لا يستطيع الالتزام بما تم الاتفاق عليه لأنه لا يعرف تفاصيله. قد وصفت صحافة إسبانية موقف PP تجاه الصحراء الغربية بأنه موقف "ملتبس" حسب تعبير جريدة البايس.
أما في الضفة الأخرى من اليمين الإسباني، فالمسألة أكثر تعقيدا بالنسبة إلى حزب فوكس Vox، الذي اتخذ منذ 2022 موقفا شديد الانتقاد للتقارب مع المغرب، وربط سياسته تجاه الرباط بصورة وثيقة بملفي الهجرة والسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية. ففي أبريل 2022 طالب الحزب بإبقاء الحدود مع المغرب مغلقة إلى أن تعترف الرباط صراحة بالسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، كما هاجم سانتياغو أباسكال تحول حكومة سانشيز في قضية الصحراء، معتبرا أن السياسة الخارجية الإسبانية لا ينبغي أن تكون مرتبطة بـ"أهواء" زعيم سياسي.
وبذلك، لا ينطلق موقف Vox من خلاف دبلوماسي محدود حول طريقة تدبير ملف الصحراء، وإنما من رؤية أوسع للعلاقة مع المغرب، تجعل قضايا سبتة ومليلية والهجرة والسيادة عناصر أساسية في تقييم هذه العلاقة. وهو ما يجعل وصول اليمين، وخصوصا اليمين الأكثر تشددا، إلى الحكومة الإسبانية عاملا يستحق الانتباه عند تقييم مستقبل الموقف الإسباني من مبادرة الحكم الذاتي.
غير أن التطور الأكثر إثارة للانتباه جاء في 2026، حينما طرح النائب الأوروبي عن حزب فوكس Hermann Tertsch فكرة شديدة الاستثنائية تتمثل في الاعتراف بالمطالب المغربية في الصحراء مقابل اعتراف المغرب بالسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية. وقد بدا هذا المقترح، في ظاهره، مختلفا عن الخطاب التقليدي للحزب تجاه المغرب، لأنه ينقل النقاش من منطق المواجهة إلى منطق المقايضة بين ملفي الصحراء وسبتة ومليلية.
لكن من المهم هنا التمييز بين هذا الطرح والموقف الرسمي للحزب. فقد تبرأت قيادة Vox من المقترح، وقالت إنه موقف شخصي للنائب وليس موقف الحزب، بحسب جريدة Confidencial Digital. ولذلك لا يمكن استخدام موقف تيرتش وحده دليلا على تحول في سياسة Vox تجاه المغرب أو الصحراء، لكنه يكشف في المقابل أن داخل اليمين الإسباني نفسه توجد تصورات مختلفة حول كيفية إدارة العلاقة مع الرباط، وأن بعض هذه التصورات قد يربط بصورة مباشرة بين ملف الصحراء وقضية سبتة ومليلية.
ولقد أتت أزمة الهجرة إلى سبتة المحتلة في 30 و31 يوليوز 2026 لتعيد قضية سبتة ومليلية والهجرة والعلاقة مع المغرب إلى قلب السياسة الداخلية الإسبانية. هكذا، في الحالة الإسبانية فالموقف الذي اتخذته حكومة اشتراكية، عارضه اليمين، ثم جاءت أزمة سبتة لتعيد ملف المغرب إلى قلب الاستقطاب السياسي، فيما تقترب انتخابات 2027.
لا يمكن الجزم بأن إسبانيا قد تتراجع عن موقفها من الصحراء إذا فاز اليمين في انتخابات 2027. غير أن الانتخابات الإسبانية المقبلة تطرح احتمال إعادة تقييم الموقف الذي اتخذته حكومة بيدرو سانشيز سنة 2022 بشأن قضية الصحراء، ولا سيما في ظل استمرار تحفظ الحزب الشعبي على الطريقة التي اتخذ بها القرار، ووجود قوى يمينية أكثر تشددا تجاه المغرب، وتصاعد حساسية ملفي الهجرة وسبتة ومليلية.
غير أن ذلك لا يعني بالضرورة العودة إلى الموقف الإسباني السابق، إذ إن التشابك المتزايد للمصالح الاقتصادية والأمنية والهجرية مع المغرب قد يجعل المراجعة، في حال حدوثها، أقرب إلى إعادة صياغة العلاقة منها إلى التراجع الكامل عن دعم مبادرة الحكم الذاتي. وتعد إسبانيا، في هذا السياق، حالة دالة على قابلية المواقف الدبلوماسية للمراجعة بتغير الحكومات والأولويات السياسية، وعلى ضرورة عدم التعامل مع المكاسب الدبلوماسية باعتبارها نهائية، ما لم تكن قادرة على الصمود أمام التحولات السياسية في الدول المقابلة.
ومن هنا يمكن طرح السؤال المركزي: هل استطاعت الدبلوماسية المغربية أن تحول الدعم الدولي المتزايد لموقفها من قضية الصحراء إلى مكاسب استراتيجية مستقرة وطويلة الأمد، أم أن بعض هذه المكاسب الدبلوماسية اقترنت، في حالات معينة، بتكاليف اقتصادية أو سياسية تستحق إعادة تقييمها؟ وهل يمثل اعتماد "قضية الصحراء الغربية المغربية" بوصفها "النظارة" التي ينظر بها المغرب إلى العالم قوة تفاوضية تسمح له بفرض شروط أفضل على شركائه، أم يمكن أن يتحول، إذا أُفرط في استخدامه، إلى قيد على حرية الحركة الدبلوماسية وعلى القدرة على تعظيم المصالح المغربية المتعددة؟
وبعبارة أخرى، فإن هذه القضية تستحق النقاش: هل جعلها معيارا حاكما للعلاقات الخارجية يحقق، في جميع الحالات، أفضل حصيلة ممكنة للمصلحة الوطنية المغربية؟ أم أن اعتماد هذا المعيار يحتاج إلى موازنة مستمرة بين المكاسب التي تحققها المملكة في ملف الصحراء وبين المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية الأوسع للدولة؟
ولا يقتصر هذا السؤال على الحالة الإسبانية. فحالة تطبيع الدولة المغربية مع الكيان الصهيوني الإسرائيلي يوم 10 دجنبر 2020 تقدم بدورها حالة جديرة بالتأمل، خصوصا أن الوثائق الأمريكية الرسمية ربطت الحدثين صراحة: الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، وإعلان استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل. وكانت هذه، حينها، "تطورات كبرى"، كما أنها سبقت صياغة المبدأ الرسمي في خطاب 2022 المتعلق بـ"النظارة" أو "المعيار". غير أنها تطرح اليوم، بعد ما يقارب ست سنوات، سؤالا ملحا حول الحصيلة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية الفعلية التي قدمها التطبيع لبلدنا، وما إذا كانت المكاسب التي تحققت أو كان يفترض أن تتحقق تتناسب مع طبيعة هذا التحول وحجمه.
ثم إن تجربة الولايات المتحدة نفسها تقدم سببا إضافيا للحذر. فإذا كانت قوة عظمى كالولايات المتحدة تتعامل مع مواقف شركائها بوصفها قابلة للتفاوض والضغط وإعادة التقييم، فإن بناء سياسة خارجية مغربية على افتراض أن موقف دولة أجنبية من قضية الصحراء سيظل ثابتا لمجرد صدور موقف سياسي أو اعتراف رسمي، يحتاج بدوره إلى قدر كبير من الحذر. فالموقف الدبلوماسي، مهما بلغت أهميته، لا يصبح بالضرورة مصلحة استراتيجية دائمة ما لم تسنده مصالح متبادلة وآليات تجعل التراجع عنه مكلفا بالنسبة إلى الطرف الآخر.
لا يتعلق السؤال فقط بقدرة الدبلوماسية المغربية على انتزاع الاعترافات والمواقف المؤيدة، وإنما بقدرتها على تحويل هذه المواقف إلى مكاسب استراتيجية مستدامة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هامش واسع للمناورة وتعظيم مجموع المصالح الوطنية.
ومن هنا يستعيد المطلب المركزي لتيار اليسار الجديد المتجدد راهنيته: إحداث مجلس وطني للسياسة الخارجية، باعتباره إطارا وطنيا يوسع دائرة النقاش والتقدير في القضايا التي تحدد موقع المغرب ومصالحه الدولية. فالسياسة الخارجية، كما السيادة الوطنية، شأن يهم جميع المغاربة، ولا ينبغي أن تظل رهينة لحسابات القرار الأحادي وتقلبات الظرف الدولي. ولعل المفارقة التي تختزل كل ذلك أن الحدود التي عبرها أبناؤنا سباحة بحثا عن مستقبل أفضل، هي نفسها الحدود التي تدار سيادتها ومصالحها في غرف القرار. ومن هنا يبدأ السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحا: هل نريد مغربا يدافع عن سيادته في الخارج، أم مغربا يشارك مواطنوه أيضا في صناعة القرار الذي يحدد معنى هذه السيادة؟ (يتبع)

هل سيكون المجلس الوطني للصحافة مستقلا فعلا أم امتدادا لنفس “المجموعة” ..؟
الرباط :انتخابات المجلس الوطني للصحافة.. يوم اقتراع يختبر نبض الجسم الصحفي المغربي
مغرب 2026 ليس هو مغرب الأمس.. الأحزاب الكبرى أمام امتحان الناخبين
أوكي..