2026: عام الصدمة الجيوستراتيجية وإعادة هندسة موازين القوة
الأنوال نيوز
من التفكيك الإقليمي إلى إعادة ترتيب النظام الدولي… وإسرائيل في قلب المعادلة
دخل عام 2026 منذ أيامه الأولى في مسار صدامي حاد، عاكسًا انتقال النظام الدولي من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة فرض الوقائع بالقوة الخشنة. لم تعد التطورات الجيوسياسية أحداثًا متفرقة أو ردود أفعال ظرفية، بل باتت تتحرك ضمن منطق استراتيجي متكامل يقوم على تفكيك الخصوم، وإعادة رسم الجغرافيا السياسية، وضبط ممرات الطاقة والنفوذ، بما يخدم توازنًا دوليًا جديدًا تتصدره الولايات المتحدة، ويصبّ، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مصلحة إسرائيل.
من جنوب سوريا إلى جنوب اليمن، ومن طهران إلى كاراكاس، تتشكل خريطة عالمية جديدة عنوانها: إضعاف المحاور المناهضة للهيمنة، كسر السيادة الوطنية، وإعادة تعريف مفهوم الدولة في النظام الدولي المعاصر.
1 يناير 2026: السويداء… كسر الحلقة الجنوبية للدولة السورية
مع مطلع العام، خرجت محافظة السويداء فعليًا عن سلطة الدولة السورية، في لحظة تُجسّد الانهيار التراكمي للسيادة المركزية. فقد تجاوز الحراك الذي قادته مرجعيات دينية درزية، وعلى رأسها الشيخ يوسف الحجري، سقف المطالب الاجتماعية والمعيشية، ليتحول إلى طرح كيان إداري–سياسي مستقل، مصحوب بنداءات للحماية الدولية.
لم يكن هذا التطور معزولًا أو مفاجئًا، بل نتيجة لتقاطع ثلاثة عوامل رئيسية: إنهاك الدولة السورية، تصاعد النفوذ المحلي المسلح، وانكشاف الجنوب السوري أمنيًا وسياسيًا.
وتكمن خطورة السويداء في كونها عقدة جغرافية–أمنية في خاصرة سوريا الجنوبية. خروجها من المعادلة المركزية يترتب عليه:
تعطيل جزئي لخطوط الإمداد الإيرانية باتجاه جنوب لبنان.
تقليص عمق الانتشار الإيراني قرب الجولان المحتل.
فتح المجال أمام ترتيبات أمنية جديدة تخفف الضغط الاستراتيجي عن إسرائيل.
هنا، لا يبدو التفكك المحلي نتيجة فوضى داخلية بقدر ما يظهر كأداة استراتيجية لإعادة الضبط الأمني الإقليمي لصالح اسرائيل
2 يناير 2026: جنوب اليمن وباب المندب… حين تحكم الجغرافيا السياسة
في اليوم الثاني من العام، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي انفصال جنوب اليمن، منهياً فعليًا وحدة الدولة اليمنية، وكاشفًا حدود وتناقضات التحالف السعودي–الإماراتي. ورغم ما رافق الإعلان من صدامات عسكرية، فإن جوهر القرار كان جيوستراتيجيًا قبل أن يكون سياسيًا.
تزامن ذلك مع تصعيد أمريكي حاد تجاه إيران، تضمن تهديدًا بالتدخل المباشر تحت غطاء “حماية المتظاهرين”، في رسالة تتجاوز البعد الحقوقي لتستهدف البنية الداخلية للدولة الإيرانية.
يمثل جنوب اليمن مفتاح السيطرة على باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية والطاقة. وانفصاله يفضي إلى:
تقليص النفوذ البحري للحوثيين المدعومين من إيران.
تأمين الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر.
إعادة توزيع النفوذ في الممرات البحرية بما يخدم التحالف الغربي.
أما الضغط على إيران، فيكمل المشهد عبر محاصرة الخصم من الداخل والخارج، وتجريده من قدرته على استخدام الجغرافيا كأداة ردع استراتيجية.
3 يناير 2026: فنزويلا… كسر السيادة كنموذج جديد
بلغ منطق القوة ذروته مع العملية الأمريكية داخل فنزويلا، التي انتهت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة. لم تكن العملية مجرد رسالة ردع، بل سابقة خطيرة تؤسس لمرحلة يُعاد فيها تعريف السيادة خارج أي إطار قانوني دولي.
تمثل فنزويلا:
عقدة طاقة عالمية ذات وزن استراتيجي.
حليفًا سياسيًا لإيران وروسيا.
صوتًا مناهضًا لإسرائيل داخل المحافل الدولية.
إزاحة مادورو تعني تفكيك ضلع بعيد جغرافيًا لكنه مؤثر سياسيًا في شبكة الخصوم، وإعادة أمريكا اللاتينية إلى دائرة النفوذ الأمريكي الصلب، مع تحجيم أي حضور دولي معارض لإسرائيل في فضاء الجنوب العالمي.
الخلاصة: 2026 ليس عامًا عاديًا… بل لحظة انعطاف تاريخية
ما يجري ليس تراكماً لأزمات منفصلة، بل إعادة هندسة شاملة للنظام الدولي تقوم على:
تفكيك الدول الهشة بدل احتوائها.
كسر المحاور المناهضة بدل التعايش معها.
تطبيع التدخل العسكري كأداة سياسية مشروعة.
في قلب هذا التحول، تبرز إسرائيل كمستفيد استراتيجي أساسي، أمنيًا وجغرافيًا ودبلوماسيًا. غير أن هذه المقاربة تحمل في طياتها بذور انفجار أوسع، عبر تصاعد الاستقطاب الدولي، وتآكل الشرعية الأممية، واحتمال الانتقال من فوضى مضبوطة إلى فوضى مفتوحة.
عجز منظومة الأمم المتحدة: سقوط الشرعية الدولية أمام منطق القوة
تُظهر وقائع الأيام الأولى من عام 2026، بشكل واضح لا لبس فيه، أن منظومة الأمم المتحدة باتت عاجزة بنيويًا عن حماية الشعوب والدول أمام غطرسة أحد أعضائها الدائمين في مجلس الأمن. فقد جرى اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، وتفكيك كيانات وطنية، وفرض وقائع جيوسياسية كبرى بالقوة العسكرية أو بالضغط السياسي، خارج أي تفويض أممي أو مساءلة قانونية.
هذا الانهيار العملي لمبدأ الشرعية الدولية لا يعكس خللًا ظرفيًا، بل يكشف عن أزمة هيكلية عميقة في النظام الأممي، حيث تحوّل حق النقض من أداة توازن إلى آلية تعطيل، وأُفرغت مفاهيم السيادة وعدم التدخل وحماية المدنيين من مضمونها الفعلي، لتُستخدم بشكل انتقائي يخدم مصالح القوى المهيمنة.
لم تعد الأمم المتحدة إطارًا ضامنًا للسلم والأمن الدوليين، بل أضحت شاهدًا عاجزًا على انتهاك مبادئها التأسيسية، في عالم يُعاد تشكيله بمنطق فرض الوقائع لا بمنطق القانون. وبهذا، تُترك الدول الضعيفة والشعوب المستضعفة خارج أي مظلة حماية حقيقية، في مواجهة هندسة قسرية للتوازنات الدولية، تقودها قوة واحدة وتصب نتائجها، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مصلحة إسرائيل وحلفائها.
وقد يُسجَّل عام 2026 تاريخيًا بوصفه العام الذي انتقلت فيه العلاقات الدولية من منطق التوازن إلى منطق الكسر، ومن قوة السياسة إلى سياسة القوة.
محمد الغفري

المنتخب المغربي يفوز على تنزانيا في كأس أمم أفريقيا (1-0)
النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة تتوّج المرحوم فريد قربال “شخصية السنة” 2025 في مجال الصحافة والإعلام
العدوان الإمبريالي الأمريكي-الغربي على فنزويلا
أوكي..