قراءة نقدية في "دليل الفنانين التشكيليين المحترفين": إشكاليات التمثيل والتصنيف وسلطة التوثيق النقابي في ظل صمت الفنانين والمبدعين
الأنوال نيوزبقلم : الفنان التشكيلي الأكاديمي "د . محمد بنعبد الله "
يتجاوز الجدل الذي يرافق صدور "دليل الفنانين التشكيليين المغاربة المحترفين"، الصادر بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل وبمبادرة من النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين، حدود الاختلاف الطبيعي حول عمل توثيقي، ليكشف عن خلل بنيوي عميق في تصور التمثيل الفني، وفي ادعاء امتلاك حق التعريف والتصنيف داخل الحقل التشكيلي المغربي، إذ المسألة هنا لا تتعلق فقط بما تضمنه الدليل، بل بما استبعده، وبالمنطق الذي حكم هذا الاستبعاد، وبالجهة التي نصبت نفسها وصية رمزية على مشهد متعدد، معقد، وغير قابل للاختزال في لوائح مغلقة ...إن المتصفح لهذا الدليل يكتشف منذ الصفحات الأولى أن الأمر لا يقتصر على إشكالات شكلية عابرة، بل يمتد إلى خلل مفاهيمي يمس جوهر الأسس التي يفترض أن يقوم عليها هذا الدليل، وفي مقدمتها مفهوم الاحتراف ذاته، إذ يخلط، دون أي تمييز منهجي أو توضيح نظري، بين الفنان المحترف، والفنان العصامي، وممارس الفن التشكيلي من باب الهواية، ممن لهم أعمال ومهن بعيدة كل البعد عن التفرغ الفني وعن شروط الاحتراف المعمول بها وطنيا ودوليا، وهو خلط يفرغ صفة "محترف" من معناها، ويحولها من توصيف مهني دقيق إلى تسمية فضفاضة بلا مضمون، ويفتح الباب أمام سؤال مشروع: أي احتراف تتحدث عنه النقابة المعدة لهذا الدليل؟ وبأي معايير جرى تصنيفه؟ ومن خول لها حق منح هذه الصفة أو سحبها دون سند قانوني، أو أكاديمي، أو مهني واضح؟
لقد قدم الدليل بوصفه محاولة لتجاوز هيمنة الرواد، غير أنه، في مفارقة دالة، أعاد إنتاج منطق الهيمنة نفسه، ولكن بأدوات جديدة: هيمنة مؤسساتية هذه المرة، قائمة على مفهوم ملتبس للاحتراف، غير مضبوط لا نظريا ولا قانونيا ... فغياب تعريف شفاف لهذا المفهوم يحوله من معيار موضوعي إلى أداة إقصاء، ومن توصيف مهني إلى امتياز يمنح ويسحب وفق اعتبارات غير معلنة، ما يفرغ الخطاب عن "الحياد" من أي مضمون فعلي، ويزداد هذا الخلل تعقيدا حين نلاحظ أن الدليل، الذي كتب على غلافه أنه يوثق للفنانين التشكيليين المحترفين المغاربة، يضم بين صفحاته أسماء فنانين أجانب، دون أي توضيح، ودون بيان مبررات إدراجهم ضمن منشور يفترض أنه مخصص للهوية التشكيلية المغربية، وهو ما يجعل العنوان مضللا، ويحول الدليل من أداة توثيق إلى لائحة هجينة تخلط بين المحلي والأجنبي، في وقت كان الأولى فيه الاحتفاء بالأسماء المغربية التي راكمت تجربة حقيقية وإشعاعا فنيا داخل المغرب وخارجه ... ولا يقف الخلل عند مستوى الاختيار، بل يمتد إلى أخطاء توثيقية جسيمة تمس أبسط قواعد النشر المهني، من بينها اعتماد ترتيب معكوس للأسماء بكتابة الاسم العائلي قبل الاسم الشخصي، في مخالفة صريحة للأعراف الدولية المتعارف عليها، خصوصا وأن الدليل موجه - بحسب تصريحات هذه النقابة - إلى جمهور غربي وقنصليات وسفارات أجنبية، وهو ما يفتح باب الالتباس في هوية الفنانين، وقد يدفع القارئ المغربي وغير المغربي خصوصا إلى الاعتقاد بأن الاسم العائلي هو الاسم الشخصي، في إساءة مباشرة لصورة الفنان المغربي ولمصداقية الدليل معا، ولو احترمت النقابة أبسط قواعد الترتيب والرمزية الثقافية، لكان من البديهي، مثلا، أن يتصدر اسم الفنان العالمي أحمد بن يسف الصفحة الأولى، وفق الترتيب الحروفي المعتمد في اللغة الفرنسية أو العربية، إذ اسمه الشخصي يبدأ بحرف أ " A "، بدل افتتاح الدليل بأسماء لفنانين عصاميين أو هواة، في غياب أي تصنيف يستند إلى التجربة، أو التاريخ، أو التأثير الفعلي في المشهد التشكيلي المغربي، والأخطر من ذلك أن هذا الدليل، الصادر بمبادرة نقابية وبدعم من الوزارة الوصية، يكرس خلطا خطيرا بين الدور النقابي والسلطة الرمزية، فالنقابة ليست سلطة تمنح الشرعية الفنية، ولا جهازا مخولا بتعريف القيمة الجمالية أو ترتيب الهرميات داخل الحقل التشكيلي، بل هي إطار مهني يفترض أن ينحصر دوره في الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية للفنانين، دون تمييز أو إقصاء ... فالتاريخ الفني لا يكتب بالإقصاء، بل بالاعتراف بالتعدد والاختلاف، وبضمان تكافؤ الفرص في التوثيق والتمثيل ... ويزداد هذا الخلط خطورة حين نعلم أن عددا كبيرا من الفنانين التشكيليين المحترفين وغيرهم لا تمثلهم هذه النقابة، ولا ينخرطون فيها ولا في غيرها من الإطارات المماثلة، اختيارا أو موقفا أو اختلافا في التصور ... وهو ما يفرض على وزارة الشباب والثقافة والتواصل أن تعي أن النقابة ليست المؤسسة التي تمثل مجموع الفنانين التشكيليين المحترفين المغاربة أو غيرهم، وأن السياسات الثقافية الجادة مطالبة بمراعاة هذا التعدد، وضمان الحرية الفعلية للفنانين في اختيار من يمثلهم، دون فرض وصاية رمزية مقنعة بالدعم المؤسساتي، فحين تتحول النقابة من فضاء للدفاع المهني إلى جهاز تصنيفي وتوثيقي، فإنها تنقلب على وظيفتها الأصلية، وتنتج إقصاء لا يقل خطورة عن ذلك الذي تدعي تجاوزه ...
إن إقصاء عدد كبير من الفنانين الأكاديميين والممارسين الفعليين، المعروفين بحضورهم وإسهامهم في المشهد الفني، لا يمكن تبريره لا بندرة المعاجم، ولا بصعوبات البحث، ولا بذريعة "الجزء الأول"، فالتاريخ الفني لا يكتب بالتقسيط الانتقائي، ولا بمنطق "سنكمل لاحقا"، بل برؤية شاملة تفصل بين التوثيق كحق ثقافي والتقويم كفعل نقدي مستقل ... أما اللجوء إلى اللغة الفرنسية بدعوى الانفتاح على سوق الفن والمؤسسات الدولية، فليس خيارا تقنيا بريئا، بل استمرار لسياسة توجيه الخطاب الفني نحو الخارج، على حساب المتلقي المحلي، والباحث، والفنان نفسه، وهو ما يعمق الفجوة بين الفن ومحيطه الاجتماعي، ويحول التوثيق إلى أداة ترويج أكثر منه فعلا معرفيا نقديا، ويكرس تبعية رمزية للغة لا تزال تستعمل كوسيط للشرعية بدل كونها أداة للتواصل ... ويتضاعف خطر هذا الخلل مع صمت عدد كبير من الفنانين إزاء ما يجري داخل الحقل الفني، فهذا الصمت، في سياق يعاد فيه رسم خرائط التمثيل، لا يمكن اعتباره حيادا ولا تعاليا أخلاقيا، بل يتحول إلى تواطؤ سلبي مع سردية ناقصة ... فالصمت هنا لا يعكس فقط خوفا أو لامبالاة، بل يكشف عن انسحاب مقلق للفنان من معركته الرمزية، وعن قبول ضمني بأن يتكلم الآخرون باسمه، ويحددوا موقعه، ويكتبوا تاريخه بالنيابة عنه.
إن الفنان الذي يصمت أمام ممارسات إقصائية أو معايير غير معلنة، يتنازل تدريجيا عن صوته، ومعه يتآكل دوره كمثقف بصري فاعل ... وحين يتراكم هذا الصمت، لا تعود الخسارة فردية، بل جماعية، إذ يتحول المشهد الفني إلى فضاء خال من المقاومة النقدية، وتختزل التجربة الإبداعية في إنجازات تقنية بلا موقف، وبلا أثر تاريخي، وبلا ذاكرة حية ...
إن ما يواجهه الفن التشكيلي المغربي اليوم ليس مجرد اختلالات تنظيمية أو نقص في المراجع، بل أزمة تمثيل عميقة ... أزمة تبدأ حين تدعي جهة واحدة تمثيل الجميع، وتتفاقم حين يقبل كثيرون بهذا الادعاء بالصمت، وتنتهي حين يكتب تاريخ الفن في غياب عدد كبير من صانعيه، فالتاريخ الذي يكتب تحت وطأة الإقصاء أو الصمت ليس تاريخا محايدا، بل سردية ناقصة، قابلة للتوظيف والتدجين، ومفتوحة على كل أشكال التلاعب بالذاكرة ...
إن أخطر ما يواجه الفنان التشكيلي اليوم ليس الإقصاء في حد ذاته، بل القبول به بوصفه أمرا واقعا، فالصمت، حين يستمر، يتحول من موقف فردي عابر إلى آلية بنيوية تفرغ الفن من معناه ووظيفته النقدية ... وعليه، فإن استعادة الفن التشكيلي المغربي لرهانه الجمالي والمعرفي تمر حتما عبر مساءلة آليات التوثيق، وكسر احتكار التمثيل، وإعادة الاعتبار لتعدد الأصوات بوصفه شرطا لكتابة تاريخ فني منصف، بوعي ومسؤولية ومصداقية ...

المؤتمر الوطني الأول للمنتدى الصحافيات والصحافيين الشرفيين بالمغرب" تحت شعار "انصاف، إشراك، دعم"بالدارالبيضاء
ليلة سقوط الكاف
بلاغ من الديوان الملكي
أوكي..