الهجرة الفينزويلية وانقلاب الضغط على واشنطن الحلقة (6)
الأنوال نيوز: العلمي الحروني منسق تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد
الحلقة السادسة: الهجرة الفينزويلية وانقلاب الضغط على واشنطن
حين تتحدث الإدارات الأمريكية عن فنزويلا، غالبا ما تستحضر الهجرة الجماعية بوصفها دليلا على "فشل النظام" وذريعة لتشديد العقوبات والضغط السياسي. غير أن هذا الخطاب يغفل حقيقة جوهرية أن الهجرة الفنزويلية هي إحدى النتائج المباشرة للسياسة الأمريكية. وهنا يتحول ما تراه واشنطن أداة ضغط إلى سلاح ارتدادي يفاقم أزماتها الداخلية والإقليمية.
تشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) إلى أن عدد الفنزويليين الذين غادروا بلدهم تجاوز7.7 ملايين شخص بحلول 2024، ما يجعلها واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم المعاصر بعد سوريا فقط. ويستقر معظم هؤلاء في دول الجوار: كولومبيا والبيرو والإكوادور وتشيلي والبرازيل، بينما بدأ جزء متزايد منهم بالتوجه شمالا نحو الولايات المتحدة.
لكن المفارقة أن العقوبات الأمريكية، التي تقدم كوسيلة لإجبار النظام على "الإصلاح"، تعد من أبرز العوامل التي غذت هذا النزوح. فوفق تقرير صادر عن Center for Economic and Policy Research (CEPR)، ساهمت العقوبات المالية والنفطية منذ 2017 في خفض عائدات الدولة الفنزويلية بأكثر من 99% خلال سنوات قليلة، ما أدى إلى انهيار القدرة على استيراد الغذاء والدواء.
هذا الانهيار لم يضرب النخبة الحاكمة بقدر ما ضرب الفئات الهشة. فقد وثقت منظمة الصحة للبلدان الأمريكية تراجعا حادا في الخدمات الصحية، وعودة أمراض كانت قد اختفت، مثل الحصبة والملاريا. وفي مثل هذه الظروف، أصبح الهجرة خيار بقاء لا خيارا سياسيا.
النتيجة أن الضغط الأمريكي لم ينتج تغييرا سياسيا، لكنه أنتج تدفقات بشرية ضخمة بدول الجوار هذه التدفقات لم تبق محصورة في أمريكا اللاتينية. فمنذ 2021، سجلت السلطات الأمريكية ارتفاعا غير مسبوق في أعداد المهاجرين الفنزويليين على الحدود الجنوبية. ووفق بيانات U.S. Customs and Border Protection، تم ضبط أعداد المهاجرين الفنزويليين في 330 ألف حالة في 2023 وحدها، مقارنة بأقل من 50 ألفا قبل سنوات قليلة.
هنا، يتحول موضوع هجرة الفينزويليين من قضية خارجية إلى قضية داخلية أمريكية. فالهجرة باتت من أكثر القضايا حساسية في السياسة الأمريكية، ووقودا للصراع الانتخابي بين الجمهوريين والديمقراطيين. ومع كل موجة جديدة، تتزايد الانتقادات لسياسات العقوبات التي "تخلق المشكلة ثم تشتكي منها".
عدد من الأصوات داخل الولايات المتحدة بدأ يربط بشكل مباشر بين العقوبات والهجرة. فقد صرحت النائبة الديمقراطية ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز بأن "السياسات التي تدمر اقتصادات الدول لا يمكن أن تفاجأ عندما يفر الناس منها". كما أقر تقرير صادر عن Washington Office on Latin America (WOLA) بأن العقوبات الواسعة "تفاقم الهجرة القسرية بدل أن تحقق الاستقرار".
ولا تقف الكلفة عند الحدود الأمريكية، فدول الجوار الفنزويلي تتحمل عبئا اقتصاديا واجتماعيا هائلا. فقد أنفقت كولومبيا وحدها مليارات الدولارات على استيعاب اللاجئين، بينما شهدت مدن في بيرو وتشيلي توترات اجتماعية صاعدة. هذا الوضع يضعف الاستقرار الإقليمي، ويخلق بيئة خصبة للشعبوية والعنف، وهو ما يتناقض مع الأهداف المعلنة للسياسة الأمريكية.
الأخطر من ذلك أن الهجرة تقوض السردية الأخلاقية لواشنطن. فمن الصعب إقناع الرأي العام العالمي بأن العقوبات تهدف إلى "حماية الديمقراطية"، بينما نتائجها الإنسانية حقيقية وموثقة. ولهذا، فإن أي تدخل أو تصعيد إضافي "سيكسب نظام فنزويلا دعما شعبيا ورمزيا كبيرا"، داخليا وخارجيا.
في النهاية، تكشف أزمة الهجرة الفنزويلية عن تناقض بنيوي في السياسة الأمريكية، سياسة تنتج الفوضى، ثم تحمل ضحاياها مسؤولية تلك الفوضى. وبدل أن تضعف النظام في كراكاس، حولت العقوبات والهجرة فنزويلا إلى قضية شائكة داخل الولايات المتحدة نفسها، يضغط على ميزانيتها ويربك سياستها الداخلية ويقوض خطابها الأخلاقي. وهكذا، يصبح المهاجر الفنزويلي أحد أبرز الشواهد على فشل سياسة "الضغط الأقصى".

نضال المحامين: دفاع عن المجتمع لا عن الامتيازات
تعميم الحماية الاجتماعية للأجراء بين القانون والواقع
دليل الصحفي الرياضي من أجل صحافة رياضية ملتزمة بحقوق الإنسان..كلمة المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان
أوكي..