الجيل الجديد من التطوير الترابي :حين تجنح الدولة إلى ضبط الإيقاع
الأنوال نيوز :بقلم / سيدي محمد العايدي الإدريسي (محلل سياسي خبير في السياسات الاستراتيجية)
ثماني سنوات من البرمجة الترابية ليست مجرد أفق زمني للتنمية، بل تعبير عن لحظة سياسية جديدة. فحين تراهن الدولة على الإدارة الترابية بهذا النفس الطويل، وبرؤية ممولة ومؤطرة بالأهداف والآجال، فهي لا تعلن فقط عن مشاريع جديدة، بل تؤكد أن منطق الإنجاز أصبح يتقدم على منطق الانتظار، وأن الأوراش الكبرى لم تعد تحتمل بطء الإيقاع الحزبي ولا هشاشة التدبير السياسي للمجال.
هذه الإشارة لا يمكن فصلها عن واقع الأحزاب السياسية، التي شدد جلالة الملك في أكثر من خطاب على دورها المحوري في التأطير والوساطة واقتراح الحلول. غير أن المفارقة الصارخة اليوم هي أن الدولة تمضي بخطى متسارعة في تأهيل المغرب وتموقعه، بينما لم تستطع الأحزاب، في كثير من الحالات، أن تؤهل نفسها بالوتيرة نفسها، لا على مستوى النخب، ولا على مستوى الخطاب، ولا على مستوى الفعالية الميدانية.
هنا يصبح السؤال أبعد من مجرد ضعف كفاءات أو تعثر ظرفي. نحن أمام أزمة أعمق تمس وظيفة الوساطة الحزبية نفسها. فالديمقراطية، التي يفترض أن تكون روح العمل الحزبي والنقابي، تراجعت داخل كثير من التنظيمات، حيث لم يعد التداول على المسؤولية يتم بشكل طبيعي، بل صار محكومًا بمنطق الولاءات والتوازنات المغلقة. وحين تفقد الأحزاب قدرتها على التجدد، فإنها تفقد تدريجيًا قدرتها على التأطير والإقناع ومواكبة التحولات.
قد لا تكون هذه الأعطاب جديدة بالكامل، لكن المؤكد أنها أصبحت اليوم أكثر انكشافًا وتأثيرًا. فقد تغير المجتمع، وتغيرت أدوات المتابعة والحكم، ولم تعد الشعارات ولا الزعامات الصوتية قادرة على صناعة الثقة كما كان الأمر في السابق. الأجيال الجديدة لا تنجذب إلى الخطاب وحده، بل إلى الصدقية والوضوح والنتائج. ولذلك لم يعد الزعيم هو من يرفع صوته ويستدر التصفيق، بل من يفكر، وينتج، وينصت، ويؤمن بالتداول، ويغادر حين تنتهي مهمته.
وفي هذا السياق تكتسب بعض التعيينات دلالة سياسية واضحة، كما هو الحال في تعيين جنرال طبيب عسكري على رأس المجموعة الصحية بأكادير. فهذا الاختيار لا يبدو مجرد قرار إداري، بل يعكس إرادة في نقل قيم الانضباط والكفاءة وربط المسؤولية بالنتائج إلى تدبير مرفق اجتماعي حيوي عانى طويلًا من الارتباك والفوضى. والمأمول أن تتحول هذه التجربة إلى نموذج قابل للتعميم على باقي الجهات، بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية التي يكتسيها المجال الصحي وورش التغطية الاجتماعية في بناء الكرامة والاستقرار والعدالة المجالية.
ما يجري اليوم لا يعني تراجع الدولة عن الجهوية أو عن دور الأحزاب، بقدر ما يعني إعادة ترتيب الأولويات وفرض إيقاع جديد قوامه السرعة والنجاعة والحسم. لكن ذلك يضع الفاعل الحزبي أمام اختبار صعب: إما أن يجدد نفسه ويستعيد دوره كشريك فعلي في التنمية والتأطير، وإما أن يفسح المجال تدريجيًا أمام إدارة ترابية أصبحت أكثر قدرة على الفعل من السياسة نفسها.
في الخلاصة، الدولة اليوم لا تكتفي بإطلاق الأوراش، بل تعيد ضبط الإيقاع. ومن لا يفهم هذه اللحظة، ولا يطور أدواته ولغته ونخبه، لن يكون فقط خارج الفعل، بل خارج الزمن السياسي الجديد.

قياديات يقرأن المشهد الإجتماعي والسياسي والإقتصادي في مائدة مستديرة تنظمها مؤسسة التطواني بسلا
فاتح ماي: بين نضال الشغيلة التعليمية ورهان الانفراج الحقوقي
حقيبة تكوين المرأة في السياسة رؤيا استطلاعية
أوكي..