"بين الأرشفة والهيمنة: من يكتب تاريخ التشكيل المغربي ومن يصنف فنانيه؟ "
الأنوال نيوز متابعة
"بين الأرشفة والهيمنة: من يكتب تاريخ التشكيل المغربي ومن يصنف فنانيه؟ " قراءة نقدية على ضوء ما صرحت به النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين لجريدة العلم 12 يناير 2026
حين يتحول التوثيق إلى سلطة، يدفعني قلمي، المغلف بالوجع والحسرة، إلى هذا الاحتجاج الهادف وهذا البوح الصادق عبر الكتابة النقدية، لعلها تمتص بعضا من آهاتي التي ما رغبت في يوم من الأيام أن أتحلى بثوبها، بعدما آثرت مؤقتا تعليق الريشة واختزال الألوان في الأبيض والأسود، في لحظة عدول ...
إن واقع الثقافة ببلادنا واقع رث، مثقل بالعلل، تجسده بشكل صارخ خرجات النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين التي، بدل أن تنحاز للفنان، اختارت في كثير من ممارساتها تهميش المبدعين والنجوم، وهو ما ينعكس مباشرة في تراجع الرغبة في الإنتاج والابتكار، وفي انحدار المناخ الثقافي العام، وتآكل الوعي المجتمعي بأهمية الفن في تخليد التاريخ والرقي بالإنسان، وهذا الوضع يتناقض بشكل صارخ مع التوجيهات الملكية الواضحة التي جعلت من الثقافة ركيزة من ركائز البناء الوطني، إذ يقول جلالة الملك محمد السادس حفظه الله في خطابه السامي وهذا مقتطف منه :
"واعتبارا لما تقتضيه التنمية البشرية من تكامل بين مقوماتها المادية والمعنوية، فإننا حريصون على إعطاء الثقافة ما تستحقه من عناية واهتمام، إيمانا منا بأنها قوام التلاحم بين أبناء الأمة، ومرآة هويتها وأصالتها، ولما كان المغرب غنيا بهويته المتعددة الروافد اللغوية والإثنية، ويملك رصيدا ثقافيا وفنيا جديرا بالإعجاب، فإنه يتعين على القطاع الثقافي أن يجسد هذا التنوع ويشجع كل أصناف التعبير الإبداعي، سواء منها ما يلائم تراثنا العريق أو الذوق العصري بمختلف أنماطه وفنونه، في تكامل بين التقاليد الأصيلة والإبداعات العصرية "
غير أن ما نعيشه اليوم داخل الحقل التشكيلي يكشف عن فجوة مقلقة بين هذا التصور الملكي المتقدم للثقافة، وبين الممارسات المؤسساتية التي تحولت، بدل أن تكون حاضنة للتنوع والحرية والإبداع، إلى آليات للإقصاء والضبط والانتقاء ... في زمن تتكاثر فيه المبادرات التي تزعم توثيق الذاكرة التشكيلية المغربية، يفرض صدور "دليل الفنانين التشكيليين المغاربة المحترفين" التابع للنقابة المغربية للفنانين التشكيليين سؤالا جوهريا يتجاوز الشكل إلى الجوهر: هل نحن أمام مشروع علمي لتدوين تاريخ الفن المغربي، أم أمام ممارسة مؤسساتية لإعادة توزيع الشرعية الرمزية داخل الحقل الفني؟
في الظاهر، يبدو الدليل عملا محمودا، فهو معجم بالفرنسية، يقدم فنانين مغاربة أحياء ومساراتهم ونماذج من أعمالهم، ويهدف إلى ربط الساحة التشكيلية المغربية بالمؤسسات الدولية والسوق الفنية العالمية، غير أن هذا الخطاب البراق يخفي خلفه إشكالا أعمق يتمثل في تحويل التوثيق إلى أداة للضبط والانتقاء، فالمعجم لا يكتفي بتسجيل ما هو موجود، بل يقرر من له الحق في أن يوجد داخل الذاكرة الرسمية ... وحين تقول النقابة إن هذا الدليل مخصص لـ " الفنانين التشكيليين المحترفين "، فإنها لا تعتمد معيارا جماليا أو تاريخيا، بل معيارا تنظيميا وإداريا، وهنا يبدأ الانزلاق الخطير من كتابة التاريخ إلى إدارته .
لقد علمتنا تجارب الأمم أن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تمارس بالقوة، بل تلك التي تمارس عبر الأرشفة والتصنيف، فمن يدرج في المعجم يصبح جزءا من التاريخ، ومن يستبعد يمحى بصمت، وهكذا تتحول النقابة من هيئة مهنية إلى سلطة رمزية تحدد من يمثل الفن التشكيلي المغربي ومن لا يمثله، وإذا كان القائمون على الدليل يعترفون بأن المعاجم السابقة ركزت على الرواد فقط، فإن جوابهم لم يكن نقد مفهوم الريادة، بل مجرد توسيع اللائحة لتشمل أجيالا أخرى، أي إن الإطار الذهني نفسه ظل قائما : الفن يختزل في أسماء، والتاريخ في ملفات، وهو المنطق ذاته الذي يحكم أطروحة المعرض الوطني " 60 سنة من الفن التشكيلي بالمغرب "، حيث يتحول التاريخ إلى رقم، والتجربة إلى مرحلة، والذاكرة إلى جدول زمني، بينما الحقيقة أن الفن المغربي الحديث بدأ قبل ذلك بكثير عبر رواد مثل محمد بن علي الرباطي، ومحمد الشرقاوي، والغرباوي، وجيل كامل من الفنانين الذين اشتغلوا خارج المؤسسات والنقابات والأسواق ... بل الأخطر من ذلك أن هذا الدليل يصدر باللغة الفرنسية ويوجه أساسا إلى السفارات والمؤسسات الأجنبية، أي أنه لا يخاطب الذاكرة الوطنية بقدر ما يخاطب السوق الدولية، فهو بطاقة تعريف تجارية أكثر منه مرجعا تاريخيا، ويقدم صورة رسمية للفن المغربي لا حقيقته المتعددة والمتناقضة والغنية ...
إن الفن المغربي ليس ملكا لنقابة ولا لمؤسسة ولا لوزارة، بل هو نتاج مسار طويل من الصراعات، والتجارب الفردية، والهامش، والتمرد، والانكسار، والبحث الجمالي الحر، وأي محاولة لاختزاله في دليل إداري، مهما بدا أنيقا، هي في النهاية شكل من أشكال العنف الرمزي ضد ذاكرته، ومن هنا تبرز مسؤولية النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين، فحين تقدم على إصدار "دليل" يدعي تمثيل المشهد التشكيلي المغربي، فإنها تكون قد تجاوزت حدود الدور المهني إلى مجال أخطر هو التحكم في الذاكرة، إذ أن النقابة وجدت أصلا للدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمهنية للفنانين، لا لكتابة تاريخهم ولا لمنح الشرعية الرمزية للبعض وسحبها من الآخرين، وحين تتحول هيئة مهنية إلى سلطة أرشفة وانتقاء، فإنها تخاطر بتشويه تاريخ الفن بدل خدمته، وتدخل الذاكرة الثقافية في منطق الزبونية والتمثيل الإداري بدل منطق البحث العلمي والإنصاف الجمالي ...
إن تصحيح هذا المسار لا يمر عبر إلغاء المبادرة، بل عبر إعادتها إلى مكانها الصحيح: فصل العمل النقابي عن العمل التاريخي، وإشراك الجامعات والمؤرخين والنقاد وأرشيفات الدولة ومؤسسات البحث في أي مشروع يروم كتابة أو توثيق تاريخ الفن المغربي، فالفن المغربي أكبر من أن يختزل في لائحة، وأعمق من أن يدار من مكتب نقابي ... وإذا أرادت النقابة أن تخدم هذا الفن حقا فلتفعل ذلك عبر الدفاع عن الفنانين الأحياء وكرامتهم وشروط عيشهم ...، ولتترك للمعرفة والتاريخ والبحث الحر مهمة كتابة الذاكرة، لأن الذاكرة ليست امتيازا تنظيميا، بل حقا ثقافيا للأمة كلها، كما أرادها جلالة الملك محمد السادس حفظه الله ونصره، إطارا للتلاحم والهوية والتنوع، لا أداة للإقصاء والاحتكار ...
الفنان التشكيلي الأكاديمي
د . محمد بنعبد الله
للإطلاع : إليكم نص ما جاء في جريدة العلم يوم 12 يناير 2026
تحت عنوان : " دليل الفنانين التشكيليين المغاربة المحترفين "
رأى النور أخيرا معجم جديد باللغة الفرنسية، ويقدم في جزئه الأول تعريفا بأبرز الفنانين التشكيليين المغاربة المحترفين من مختلف الأجيال، مع تقديم مساراتهم ونماذج من أعمالهم، قصد التعريف بالساحة الفنية المغربية وربطها بالمهتمين بالفنون المغاربة والأجانب.
وصدر هذا المعجم تحت عنوان: "دليل الفنانين التشكيليين المغاربة المحترفين "، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وبمبادرة من النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين، وهو مخصص للفنانين التشكيليين الأحياء والأروقة الفنية المغربية .
وأشرفت على هذا المنشور الجديد لجنة علمية نسقها عز الدين الهاشمي الإدريسي، وقام ببحثها الإيقونوغرافي والبيانياتي عبد الرحمن بنانة، وأحمد الفاسي، وحبيب مسفر، وساهم في ضبطها العلمي كل من محمد الشكر والهاشمي الإدريسي، إلى جانب عبد الرحمن بنانة ومسفر والفاسي، مع تصميم محمد حافظي وعنايته بالإشراف البصري.
محمد المنصوري الإدريسي، مدير النقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين، الذي أشرف على إعداد المؤلف، قال " إن هذا الدليل قد أعد وأصدر نظرا لقلة مثل هذه المعاجم، فقد صدرت كتب سابقة، لكن الملاحظ أنها خصصت لبعض الناس دون آخرين، ومنها ما اهتم بعينة من الفنانين فقط هم الرواد، وهذا مهم، لكنه يطرح إشكالا أنه منذ الستينيات إلى الآن قد ظهرت أجيال وأجيال من الفنانين، وينبغي أن يعطيها حقها من التوثيق ".
وأضاف المنصوري الإدريسي أن فريق الإعداد درس السوق الفنية المغربية، ووجد نقصا في مثل هذه المراجع، فاقترحنا مبادرة إعداد دليل أو معجم للفنانين التشكيليين، ومن جهة أخرى، أوضح عز الدين الهاشمي الإدريسي أن هذا الإصدار هو جزء أول فقط، ولذلك فهو لا يمثل جميع الفنانين، وسيركز الجزء الثاني على المشتغلين بالفنون المعاصرة، حتى يتم تقديم صورة شاملة عن المشهد الفني المغربي داخل الوطن وخارجه.
وسيوزع المعجم على السفراء الأجانب وسفارات المغرب في الخارج وبعض المؤسسات الفنية العالمية، ليعرفوا على المشهد الفني المغربي المتعدد، الذي من المقرر ترجمة دليله الجديد هذا إلى اللغة العربية .

بوشعيب حمراوي: من يحمي كرة القدم الإفريقية من القاذورات الرقمية والركوب السياسي؟
غدا الخميس تبدأ ليلة الإسراء و المعراج
المنتخب المغربي يفوز على المنتخب النيجيري بركلات الترجيح ويتأهل لنهائي كأس أمم افريقيا
أوكي..