الشغل والوظيفة بالمغرب العلبة السوداء التي لا يريد أحد فتحها
بقلم: بوشعيب حمراوي
ليست أزمة الشغل في المغرب رقماً يُتداول في نشرات الأخبار، ولا بياناً يُلمَّع في تقارير رسمية. إنها نزيف يومي من دم ودموع وعرق؛ علبةٌ سوداء مغلقة، تُدار داخلها الحقائق بأقفال الغموض، ويُعاد فيها تعريف العاطل والعامل، حسب الحاجة السياسية، لا حسب العقد والأجر والحقوق.
هل كل من اشتغل في القطاع الخاص يُعدّ عاملاً غير عاطل؟
سؤال بسيط، لكنه يفضح كل شيء.
هل يُعتبر عاملاً من يخرج فجراً بلا عقد، ويعود ليلاً بفتات أجر غيرقار؟
أو من يتلقى أجراً أسبوعياً، أو نصفَ شهري، أو حتى شهرياً أقل من الحد الأدنى للأجور، و بلا حقوقٍ واضحة في التغطية الصحية، وعدد ساعات العمل، وتعويضات التنقل، والأعمال الشاقة… إلخ؟
هل تُسقط صفة البطالة عمّن يتقاضى أجراً ـ كما سبق وذكرت ـ أو أجراً يومياً متقطعاً، أو عن عاملٍ مياوم يشتغل بضعة أشهر ثم يُطرَد لفسح المجال لآخر… بلا تغطية صحية، بلا ضمان اجتماعي، وبلا أفق؟
وهل يُمحى من سجلات البطالة من يعمل في الممنوع لأن المرخّص لفظه أو لأنه استباح المال غير المشروع؟
في المغرب، يخرج الناس كل صباح للعمل… أو للبحث عن عمل… أوللهروب من الجوع، أو للبحث بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة عن قوت يسدّ الرمق.
تجارة مرخّصة وممنوعة، خدمات عمومية وخاصّة، وساطة وسمسرة، تسوّل ونشل، عرق شريف وجريمة يائسة… الجميع في الشارع..
لكن السؤال الحقيقي: من العامل؟ ومن العاطل؟ ومن يُصنّف؟ وبأي معيار؟
للأسف الغموض المقصود. فلا يمكن تشخيص الشغل دون تشخيص الواقع.
ولا يمكن إنجاز أي إحصاء عام دون إحصاءٍ أولي يحدد: من هو العاطل؟
ومن هو العامل؟
ولا يمكن الحديث عن البطالة دون تعريف الشغل تعريفاً قانونياً يحترم العقد والأجر والحقوق.
للأسف، هناك اقتصاد واسع يتحرّك في الظل:أجور تُدفع نقداً، أرباح لا تُصرَّح، ثروات تُخزَّن خارج الأبناك، خوفٌ مزمن من الغد، وانعدام ثقة في المؤسسات.
في هذا المشهد، كيف تُحتسب البطالة؟ وكيف يُقاس النمو؟
وكيف يُطمأن عاملٌ يُبدّل صفته كل موسم، ويُمحى من السجلات كلما انتهت النية الحسنة للمشغّل؟
ويبقى الجدل مطروحاً ـ ومؤلماً ـ حول الفرق بين الوظيفة والمهمّة. إذ يزداد الغموض حين تختلط الوظيفة بالمهمّة، والعمل بالتطوّع.
فهناك مناصب تُقدَّم باعتبارها (خدمة للشأن العام)، لكنها تُعامل كوظائف بأجور ومعاشات، مثل مناصب البرلمانيين والوزراء ورؤساء المجالس المنتخبة… وغيرها من المناصب التي تفرزها صناديق الانتخابات الجماعية والتشريعية والغرف المهنية. هي مهام في الأصل تطوعية من أشخاص يريدون خدمة الصالح من داخل المرافق العمومية ( مجالس منتخبة، برلمان بغرفتيه، حكومة،.).ولا يمكن أن تدخل ضمن مناصب الوظيفة العمومية التي تشترط التباري بالكفاءة التعليمية والمهنية.
وفي المقابل، ملايين المغاربة يعملون فعلاً، لكن بلا اسم قانوني:
ليسوا موظفين، ولا أجراء، ولا مستفيدين من مدونة الشغل.
هم (شيءٌ بين بين)، يسكنون الهامش القانوني، ويدفعون ثمنه من أعمارهم.
وتتّسع العلبة السوداء حين يتحوّل (الفاعل الجمعوي) عند البعض إلى مهنة بلا ضوابط .
وتتّسع حين يصبح (الإنعاش الوطني)، عملاً دائماً بلا حقوق، وبلا مهام محددة، وبلا أجر محترم، وبلا عدد ساعات عمل مضبوط.
وتتّسع أكثر حين تتحوّل المناولة والتدبير المفوض إلى ماكينة تُبدّل الشركات وتُبقي البؤس ثابتاً على العمال :عقود قصيرة، أجور هزيلة، تأخير في الأداء، طرد بلا تعليل، وخوف دائم من الغد .
أي منطق هذا الذي يُديم الشغل المؤقت في أعمال قارة؟
وأي عدالة تُجيز أن يبني عامل أسرةً بأجر لا يبني حياة؟
ما المطلوب إذن ؟
لا بد من تعريف قانوني صارم للشغل: لا شغل بلا عقد، ولا عقد بلا أجر،ولا أجر بلا حقوق.
ولا عامل دون مدونة شغل منصفة لكل الفئات في القطاعين الخاص والعام .
ولا وظيفة دون قانون عادل للوظيفة العمومية.
ولا بد من تصنيف واقعي للفئات العاملة خارج الإطار القانوني، حمايةً لها لا تزويقاً للأرقام، كما تفعل مندوبية التخطيط مثلا...
ولا بد من إنهاء العبث بالتشغيل المؤقت في الأعمال الدائمة.
ولا بد من إخضاع القطاعين العام والخاص لمدونة الشغل دون استثناءات.
ولا بد من تحويل الشفافية من شعار إلى آلية، ومن تقرير إلى ممارسة.
هذه صرخة :
صرخة ضد تمييع المفاهيم، وضد استعمال الغموض كأداة تدبير.
صرخة باسم من يعملون ولا يُحتسبون، ويُحتسبون ولا يعملون.
صرخة تقول بوضوح :
الشغل ليس رقماً، والوظيفة ليست امتيازاً، والكرامة ليست بنداً مؤجلاً .
افتحوا العلبة السوداء ...فداخلها مستقبل بلد بأكمله.

بتعليمات من الملك محمد السادس.. ناصر بوريطة يوقع بدافوس على الميثاق المؤسس لمجلس السلام
بلاغ من الديوان الملكي
بلاغ استنكاري حول ظاهرة الريع الثقافي واستغلال النفوذ
المهرجان الوطني لسينما المقاهي ماستركلاس مع محمد صولة حول "النقد السينمائي"
أوكي..