أزمة الأحادية القطبية ومرحلة ما بعد الدستورية في أمريكا ومأزق القانون الدولي الحلقة ( 8/3)
الأنوال نيوز:العلمي الحروني منسق تيار اليسارالجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد
يتناول الجزء الثالث والأخير من المقالة 8 التحولات الجوهرية داخل الولايات المتحدة على وتأثيرها على الصعيد الدولي، بدءا من تآكل بنية النظام الدستوري الأمريكي وتحوله نحو مرحلة ما بعد دستورية، إلى أزمة القانون الدولي وتفريغه من مضامينه، كل ذلك كانعكاس لمأزق الأحادية القطبية والعقل الاستراتيجي الأمريكي في عالم يتحول بسرعة إلى عالم متعدد الأقطاب. تسعى المقالة لتحليل هذه التحولات لفهم الأثر المستقبلي على السياسة الأمريكية والمشهد الدولي ككل.
في تحول النظام الدستوري الأمريكي نحو مرحلة ما بعد دستورية
لنتذكر أن الكونغريس لم يقرر الهجوم على فينزويلا ولم يستشر، ولنتذكر أيضا الجدل الذي قتل الجيش الأمريكي لمدنيين غير مسلحين لا يشاركون في العنف على زوارقهم السريعة في منطقة الكاريبي وما رافق ذلك من جدل قانوني واسع بالولايات المتحدة حول قانونية امتثال الجنود لأوامر القتل من عدمه. إن ما يميز مرحلة دونالد ترامب ليس جوهر السياسة وإنما أسلوبها. فترامب نزع عن الإمبريالية الأمريكية لغتها التجميلية ويعبر بصراحة فجة حد الوقاحة عما كانت الإدارات السابقة تخفيه خلف خطاب نشر الديمقراطية وحقوق الانسان، هذه الصراحة تكشف مدى التآكل العميق في بنية النظام السياسي الأمريكي وبداية مرحلة متقدمة من انهيار النظام الدستوري الأمريكي. وإذا استعننا بالتاريخ الروماني للمقارنة، فإن الولايات المتحدة لا تعيش لحظة سقوط الجمهورية وإنما تجاوزتها إلى مرحلة ما بعدها. لقد انتهت الجمهورية فعليا منذ سنوات وبقي شكلها ومظاهرها فقط. تماما كما حدث في زمن تيبيريوس إذا صح التشبيه حيث استقرت الإمبراطورية بعد التحول الحاصل مع الإبقاء على طقوس الجمهورية كقشرة شرعية.
الرئيس الأمريكي اليوم قادر على إثراء نفسه وحلفائه دون مساءلة حقيقية، يحكم بالمراسيم التنفيذية، يشن الحروب أو يتواطأ في الإبادة في غزة ويهدد إيران وفنزويلا وباقي دول أمريكا اللاتينية ويهدد كندا كاملة ثم يطلب غريلاند ويقصف في دول أخرى كنيجيريا، دون اعتراض مؤسسي داخلي ولا أممي، والكونغرس معطل والقضاء مسيس والإعلام جزء من المنظومة. ما بقي هو المظهر الدستوري دون مضمون سيادي شعبي.
بهذا المعنى، لم يعد النظام السياسي الأمريكي يعمل وفق منطق دستوري، لقد انتقل عمليا إلى نظام ما بعد دستوري، نظام يفرغ فيه النصوص من محتواها لفسح المجال لإدارة السلطة عبر الاستثناء الدائم والقرار التنفيذي وحدها توازنات القوة داخل النخبة التنفيذية-الأمنية-المالية هي أساس القرار. لم يعد القانون يطرح قيودا على السلطة، والمجتمع يكتفي بدور المتفرج على طقوس ديمقراطية فقدت معناها.
في سياق هذا التحول حصل تعليق صريح للدستور وقع انقلاب فج عميق في الممارسة، وبدا اعتياد تدريجي على هذا النمط من الحكم يظهر وينمو ويتم التطبيع معه، تماما كما حكم تيبيريوس إمبراطورية مكتملة تحت اسم الجمهورية. ما فعله ترامب هو أنه كشف أننا في نهاية الحكم الدستوري في الولايات المتحدة. ما الذي سيحدث في ظل حكم بلطجي؟ الأشهر القليلة القادمة ستبين ذلك، لكن على لك حال هذا يجعل العالم بالغ الخطورة.
في نفس هذا السياق، يصبح تمزيق القانون الدولي، وتفريغ ميثاق الأمم المتحدة من مضمونه، جزءا من المنطق الأمريكي نفسه. لقد أُنشئ هذا النظام القانوني الدولي تحديدا لتفادي الانزلاق إلى حرب عالمية ثالثة، غير أن العبث به في عصر نووي يبدو اقترابا، وربما واعيا، لمنطق الإبادة الشاملة. وهو ما يذكر بمقولة ألبرت أينشتاين الشهيرة: "لا أعرف بأي أسلحة ستخاض الحرب العالمية الثالثة، لكن الحرب العالمية الرابعة ستخاض بالعصي والحجارة".
إن كل ما فعله ويفعله ترامب هو أنه كشف أننا في نهاية الحكم الدستوري في الولايات المتحدة، وكل الذي سيحدث في ظل حكم بلطجي وقح سيجعل الوضع العالمي بالغ الخطورة. لم تعد المسألة تتعلق بسلوك شخص أو حتى دولة بعينها، بل بتحول بنيوي في مركز النظام العالمي نفسه، حيث تصبح القوة فوق القانون، والدستور الأمريكي ليس سوى غطاء لنظام فقد جوهره منذ زمن.
في حدود الأحادية القطبية ومأزق العقل الاستراتيجي الأمريكي
قبل حوالي ثلاثة عقود، مباشرة بعد نهاية الحرب الباردة وظهور النظام العالمي بقطب واحد، ساد نقاش أكاديمي عميق في مجال العلاقات الدولية، من طرف مفكرين كبار مثل جون ميرشايمر وكريستوفر لاين. هذا الأخير يرى أن الاعتقاد الأمريكي بإمكانية الحفاظ على الهيمنة الأحادية هو وهم استراتيجي مخالف لمنطق التاريخ ونظرية توازن القوى، ذلك أن القوة المهيمنة تولد بالضرورة قوى مضادة (نظرية الفعل ورد الفعل) توازن القوى حتمي حسب كريستوفر لاين، والنظام الدولي لا يقبل الهيمنة الدائمة والدول الصاعدة (الصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى) ستسعى تلقائيا إلى موازنة القوة الأمريكية وهذا سلوك بنيوي لا يحتاج بالضرورة إلى نوايا عدائية. العالم الأحادي ينتج عدم الاستقرار أكثر خطورة من العالم متعدد الأقطاب، والهيمنة تدفع بالضرورة إلى الإفراط في استخدام القوة والتدخل العسكري وتجاهل القانون الدولي وتقود حتما إلى حروب غير ضرورية وإنهاك القوة المهيمنة وتقويض الاستقرار العالمي. لكل ذلك يهاجم كريستوفر لاين ما يسميه بالليبرالية الهيمنية (Liberal Hegemony)التي تحاول دائما فرض "الديمقراطية" وإعادة تشكيل الدول باستخدام الخطاب الأخلاقي لتبرير القوة، ولقد فشل هذا التوجه الهيمني في العراق وأفغانستان وكلف ذلك الولايات المتحدة خسارة استراتيجية وأخلاقية وأضعف شرعيتها الدولية. وفي هذا دعا كريستوفر لاين إلى اعتماد بديل قائم على الضبط الاستراتيجي وتقليص التدخلات الخارجية وقبول التعددية القطبية بدل مقاومتها واحترام سيادة الدول وتوازنات الأقاليم.
يلتقي كريستوفر لاين مع جون ميرشايمر في نقد الهيمنة، لكنه أكثر تركيزا على فشل الأحادية القطبية كمرحلة تاريخية، كما يختلف جذريا مع المدرسة الليبرالية الدولية (فوكوياما و إيكينبيري).
لقد كتب "كريستوفر لاين" المتخصص في السياسة الدولية والاستراتيجية الكبرى بشكل موسع عن حدود الأحادية القطبية وبالذات الأحادية الأمريكية، ولقد جادل كثيرا على أن القوى الأحادية تزرع بذور زوالها بنفسها ولسببين رئيسيين، السبب الأول هو أنه في النهاية حتى لو كانت القوة الأحادية ناعمة وشاملة ففي النهاية ستظهر قوى جديدة ليس بسبب التنافس لكن ببساطة لأن هذا هو الطبيعي: بعض الدول والاقتصادات تنمو لتصير أكثر استقلالية وثقة بنفسها أو أن القوى الأحادية تنهار بشكل أسرع أو مفاجئ لما ترى الدول الصاعدة كتهديد لها.
تتأرجح أمريكا بين الحالتين، وذلك لا علاقة له لا بالديمقراطيين ولا بالجمهوريين. ففي كل كل مرة تقرر دولة تثبيت استقلالها وسيادتها يتولد رد فعل فوري داخل وزارة الخارجية ووزارة الدفاع الأمريكيتين، لا يهم من يحكم ذاك البلد، فالعقل الاستراتيجي الأمريكي يعتبر ذلك تحديا محتملا للتفوق التقني الأمريكي أو الغربي بشكل عام. فالدول مثل روسيا والصين وإيران أو حتى فنزويلا يعتبرها هذا العقل "قوى غير متعاونة"، وأي زعيم لأية دولة كانت يقول أو يقوم بغير ذلك فعليا تضعه الإدارة الامريكية في لائحة سوداء. لذلك تعرض ماريا ماتشادو نفسها لتتولى الحكم في فنزويلا لضمان تعاونها وتوافقها تماما مع الولايات المتحدة وتفتح اقتصاد النفط أو الغاز أو أي مجال آخر كنقل سفارة فنزويلا الى القدس...
تحولات في النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية
لقد بدأت الأقنعة الغربية تنكشف منذ مدة، وكانت بمحاولات نظر لها دهانقة الفكر الغربي باستبدال " القانون الدولي" الذي حكم سلوك الدول لأكثر من 500 عام والبدء في ترويج الغرب الامبريالي لفكرة "النظام الدولي القائم على القواعد"، هذا النظام الذي يتصرف أحيانا كأنه قائم على قواعد سياسية أكثر من كونه قائما على قواعد قانونية ملزمة، أصبح الحديث عن هذه الفكرة شائعا، وقد بدأ، مؤخرا، التمييز بينها وبين "القانون الدولي الحقيقي". ولقد ضاقت مساحة منشدي سيمفونيات القانون الدولي في الجامعات وكليات الحقوق الأميركية والأوروبية العريقة، مباشرة مع الإنقلاب التدريجي للولايات المتحدة على منظومة القانون الدولي وتقديمها للنظام الدولي القائم على القواعد، بما يفيد عمليا قرارها بأن كل من مجلس الأمن الدولي أو محكمة العدل الدولية أو الجمعية العامة للأمم المتحدة لا يحدد "قواعد" النظام الدولي.
لعل حديث الغرب عن النظام القائم على القواعد أصبح هو المحفز في حالة فنزويلا حيث أن العملية سهلة في هذه الدولة والمسألة هامة بالنسبة للغرب، في المقابل، في حالة الكيان الصهيوني الذي يقوم بإبادة جماعية للفلسطينيين والدول الغربية لا تدين هذا الفعل الاجرامي، أصبح النظام القائم على القواعد انتقائي جدا. وهذا ما سنشاهده في المستقبل بداية من سنة 2026 ببناء ما يسمى بـ " مجلس السلام " أساسا من طرف دعاة الحرب والأنظمة المطبعة مع الكيان الصهيوني والمتورطين في القتل والإبادة بفلسطين. فهل مجلس السلام هذا بداية استبدال الأمم المتحدة والقانون الدولي؟ ( ينتناول ذلك في المقالات اللاحقة).
أن كل ما حدث في تفكيك المؤسسات والدروس التي تعلمها العالم من الحربين العالميتين، وحاول ترسيخها في نظام الأمم المتحدة والقانون الدولي كلها في طريق الانهيار. الأمم المتحدة اليوم أصبحت عديمة الفائدة في وضع يشبه عصبة الأمم في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات. وإذا كانت الولايات المتحدة في حالة التبرؤ منها والسعي عمدا إلى تدميرها وتمزيق أي بقايا للقانون الدولي، فإن الأمل بل والواجب أن يدافع بقية العالم عنها، على سير الصين وروسيا وعموم مكونات "الحلف الأوراسي" الذي ينظر له الفيسلوف الروسي ألكسندر دوغين وآخرين.
فما هي أسباب تفضيل الولايات المتحدة الاحتكام إلى هذا المخلوق المسمى "نظام دولي قائم على القواعد؟ عن هذا السؤال أجاب البروفيسور الجنوب أفريقي المتخصص في القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان جون دوغارد حيث يرى أن الولايات المتحدة تقوض القانون الدولي وحقوق الإنسان بثلاث طرق رئيسية: أولا، برفضها الانضمام إلى معاهدات دولية أساسية، إذ هي ليست طرفا في اتفاقية قانون البحار مثلا، ما يعني أنها مضطرة إلى توبيخ الصين لتهديدها "النظام الدولي القائم على القواعد" في بحر الصين الجنوبي بدلا من القانون الدولي؛ كما أنها ليست طرفا في عدد من الاتفاقيات: المعاهدات الأساسية التي تحكم القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك بروتوكولات عام 1977 الملحقة باتفاقيات جنيف بشأن قوانين الحرب، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، واتفاقية الذخائر العنقودية، واتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد، وهذا حتما يجعل من الصعب على أمريكا محاسبة الدول على انتهاكات القانون بكل تشعبات؛ ثانيا، عبر تبني تفسيرات مثيرة للجدل للقانون الدولي ومتنازع بشأنها تبرر استخدام القوة والتدخل العسكري وانتهاكات القانون الإنساني. هذه التفسيرات تعطيها "حق" القيام بضربات استباقية واستخدام القوة كنوع من التدخل الإنساني كما وقع مثلا في قصف بلغراد عام 1999 واستخدام القوة في العراق عام 2003 وفي ليبيا عام 2011، وحرمان جنود طالبان المحتجزين في خليج غوانتانامو من حقوق أسرى الحرب في أعقاب الغزو الأميركي لأفغانستان عام 2002؛ وثالثا، من خلال حماية حلفائها، خصوصا الكيان الصهيوني، من المساءلة، واعتباره حالة استثنائية فوق القانون. هذه الاستثنائية برزت بشكل فج في الإعلان المشترك بينها وبين إسرائيل بمناسبة زيارة الرئيس بايدن لها في يوليو 2022 عبر التأـكيد على "الروابط غير القابلة للكسر بين بلدينا والالتزام الدائم للولايات المتحدة"، وعلى تصميم "الدولتين على مكافحة كل الجهود الرامية إلى مقاطعة إسرائيل أو نزع شرعيتها، أو حرمانها من حقها في الدفاع عن النفس، أو تمييزها في أي منتدى، بما في ذلك الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي". هذا الالتزام يفسر رفض الولايات المتحدة المستمر لمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها المتكررة للقانون الإنساني، ورفض محاكمتها أمام المحكمة الجنائية الدولية، ومنع إدانة هجماتها على غزة"، هذا كله يفرغ النظام الدولي حتى من مضمونه القائم على القواعد. (انتهى)

إنفانتينو يتحدى دعوة بلاتر لمقاطعة مونديال 2026 في أمريكا
"المهنة خط أحمر".. وقفة وطنية احتجاجا على مشروع قانون المحاماة أمام وزارة العدل بالرباط
تكريم يليق بالكلمة الحرة: مجلس عمالة وجدة أنكاد يحتفي بالأستاذ والإعلامي منير الحردول
أوكي..