تحولات نفوذ اللوبي الصهيوني وسط الرأي العام الأمريكي من سلسلة : مجلس السلام أم مجلس الإنقاذ (المقال 5)
الأنوال نيوز: العلمي الحروني: منسق أرضية اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد
تحولات نفوذ اللوبي الصهيوني وسط الرأي العام الأمريكي
(المقال الخامس من سلسلة : مجلس السلام أم مجلس الإنقاذ)
يثير التطابق الملحوظ بين بعض المبادرات الأمريكية الخاصة بعملية السلام والمواقف الرسمية الإسرائيلية تساؤلات مشروعة حول طبيعة التأثير المتبادل بين صانع القرار في واشنطن وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. فاستمرار الدعم السياسي غير المشروط، إلى جانب الترحيب الإسرائيلي العلني بنتائج تحركات دولية ذات صلة، يوفر قرائن تحليلية تستدعي فحص مدى عمق هذا التأثير. ورغم غياب أدلة موثقة تثبت مشاركة مباشرة في صياغة نص مشروع خطة ترامب التي انبثق منها مجلس السلام، فإن محللين كبار تحدثوا عن أن قوة اللوبي الإسرائيلي داخل البنية السياسية الأمريكية تجعل فرضية التأثير البنيوي في توجيه الرؤية وصياغة الخطة محل نقاش أكاديمي مشروع.
قبل نحو عقدين، وتحديدا عام 2006، نشر كل من John Mearsheimer وStephen Walt مقالا لافتا في مجلة London Review of Books بعنوان The Israel Lobby. تناول المقال تأثير اللوبي الإسرائيل في رسم سياسات الولايات المتحدة ف ي ما يسمى بالشرق الأوسط، وناقش الفرضية التقليدية التي ترى أن الدعم الأمريكي الواسع لإسرائيل يمنح واشنطن نفوذا استراتيجيا أكبر في المنطقة. وخلص الكاتبان إلى طرح مغاير، مفاده أن هذا الدعم يعكس تأثيرا قويا لجماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل، وأن النفوذ المتولد عن هذا التأثير يخدم المصالح الإسرائيلية أكثر. ونظرا لعمق المقال تم توسيعه من طرف المؤلفين في كتاب صدر عام 2007 بعنوان The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy.
هذا المدخل ذو أهمية كبرى، فقد اشتغل الصهاينة على هذا الأساس منذ ما بين 50 و 60 سنة. فقوة إسرائيل مستمدة من الدعم الغربي والأمريكي وذلك بفعل التغلغل الصهيوني المؤسسات الغربية والأمريكية مما يمكنها من التأثير في القرار الأمريكي وفي الرئيس نفسه.
وقد تجلى هذا التأثير بوضوح في محطات سياسية حساسة، فمثلا في فترة الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 بين إدارة باراك أوباما وإيران، هاجم نتنياهو أوباما وتحداه حين ألقى خطابا أمام الكونغرس الأمريكي بدعوة من قيادات جمهورية بالرغم من اعتراض الرئيس الامريكي في خطوة غير مسبوقة تجاوزت الأعراف الدبلوماسية.
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الحركة الصهيونية تخلق أغنياء كبار وتسهل مهمة الإغناء بهدف دعم المشروع الصهيوني، فمثلا الميلياردير الأمريكي "جيفري إبستين " (Jeffrey Epstein) المتوفي في 10 غشت 2019 الذي روج الموساد أنه انتحر شنقا بزنزانته، تم تسهيل مهمته وأصبح مالكا لجزيرة يأتي بمشاهير العالم و السياسيين والنافذين وأصحاب القرار ورجال الأعمال يأتي لهم بشابات قاصرات ويصورهم ثم يقوم بابتزازهم ( ضمن ضحاياه الأمير أندرو وترامب وكلينتون...) وبعدما انفضحوا كان لابد من قتله. لم يفلت بعض الزعماء العرب والمسلمين من هذا الابتزاز لتحقيق المصالح الصهيونية بأدوات خبيثة. الأمر يدخل ضمن الاستراتيجية الصهيونية وهذا خطر على العالم، دولا وشعوبا، بالابتزاز ورسم سياسات في صالح الكيان الصهيوني.
في السابق، كان اللوبي الإسرائيلي اليهودي قويا جدا وشكل مجموعة الضغط الأقوى في الولايات المتحدة لصالح الكيان الصهيوني، واليوم، بعد 7 أكتوبر 2023، أصبح أكثر قوة مما كان عليه، وذلك بسبب اضطرار هذا اللوبي لبذل جهد أكبر اليوم للدفاع عن اسرائيل.
فبفضل مواقع التواصل الاجتماعي باتت الممارسات الإسرائيلية المتمثلة في الإبادة الجماعية في قطاع غزة واضحة وصادمة للكثير من الأمريكيين، حيث تضاعفت الانتقادات تجاه إسرائيل بكثير اليوم، وهكذا أصبحت إسرائيل سلعة يصعب بيعها في الولايات المتحدة.
حين بدأ الكيان الصهيوني في الرد على حركة حماس والمقاومة الفلسطينية وضد المواطنين الفلسطينيين بالضفة وبغزة على الخصوص في شكل إبادة جماعية تمكن عدد كبير من الأمريكيين من مشاهدتها، ونتيجة لذلك فرض على اللوبي لصهيوني أن يضاعف قوته بكثير ويبذل جهدا أكثر مما كان عليه العشرية الأولى من هذا القرن للضغط على الحكومة الأمريكية لدعم اسرائيل فيما تنفذه من إبادة جماعية، وللعمل على الحد من انقلاب الرأي العام الامريكي على إسرائيل.
بالرغم من ذلك، لا شك في أن اللوبي الاسرائيلي نجح على توجيه أمريكا على مستوى السياسات، فقد أقنع ادارة بايدن الديمقراطي بدعم الإبادة الجماعية الاسرائيلية في غزة، كما نجح في اقناع ترامب أيضا وبدرجة كبيرة.
إن ما حصل على مستوى الرأي العام وعلى مستوى الخطاب الشعبي السائد في الولايات المتحدة ضد اسرائيل بشأن ما يحصل في غزة، جعل الكيان الصهيوني اليوم في ورطة كبيرة. ذلك ما حد من فعالية اللوبي الإسرائيلي اليوم، نظرا إلى صعوبة مهمة الدفاع عن الإبادة الجماعية، ولكنه يعمل بشكل دؤوب على الدفاع عن هذه الإبادة.
في هذا الصدد، ولتأكيد ما ذهبنا إليه بشأن قوة اللوبي الصهيوني، على تزايد الانتقادات لإسرائيل في الأوساط السياسية الغربية مقارنة بالماضي، مما يقلب المعادلة التي كانت تعتبر الدعم المطلق هو المعيار ، تجدر الإشارة إلى تصريح للرئيس ترامب في أكتوبر 2025 يشير إلى تحولات الرأي العام والسياسة الأمريكية مفاده " أنه في الماضي، كان توجيه انتقاد واحد لإسرائيل كفيلاً بإنهاء المسيرة السياسية للشخص، بينما اليوم (حسب تصريحه) أصبح إبداء دعم واحد لها يخرج الشخص من المعترك السياسي.
لم يفقد اللوبي الصهيوني قوته و قدرته على التأثير بشكل فعال في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية في جميع المجالات المرتبطة بمنطقة ما يسمى بالشرق الأوسط، بحيث يضطلع بدور محوري في إقناع الولايات المتحدة بدعم سياسات إسرائيل في إيران أيضا ولبنان وسوريا، وأيضا فيما يتعلق بالإبادة الجماعية وأعمال التطهير العرقي في كل من غزة والضفة الغربية. لكن ما في حكم المؤكد هو أن هناك موجة عارمة من الانتقادات ضد إسرائيل وسط الحزب الجمهوري خاصة في أوساط الجمهوريين الشباب، وانتقادات هائلة تجاه اسرائيل في الحزب الديمقراطي.
الجديد اليوم، أن الذي يحصل، وللمرة الأولى، هو أن الانتقادات الواسعة النطاق تجاوزت نقد السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والسلوك الاسرائيلي إلى انتقاد اللوبي الإسرائيلي نفسه، وهذه الأمور غير مسبوقة، والقاعدة الشعبية للحزب الجمهوري وسط الشباب اليوم أصبحت ضد إسرائيل بشكل متزايد.
بالرغم من ذلك، فإن تأثير نفوذ اللوبي الإسرائيلي في السياسة الأمريكية فما زال قويا في ترسيخ دعم الولايات المتحدة للسياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وبشكل غير مشروط. كما تواصل واشنطن دعم إسرائيل سياسيا وعسكريا بغض النظر عن سياساتها تجاه إيران وسوريا ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة.
لم يتراجع نفوذ اللوبي الإسرائيلي ولا تأثيره في السياسة الأمريكية. فما زال يحقق أهدافا كبيرة في ترسيخ دعم الولايات المتحدة للسياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وغالبا بصورة غير مشروطة. كما تواصل واشنطن دعم إسرائيل سياسيا وعسكريا بغض النظر عن سياساتها العدوانية وابادتها لشعب فلسطين.
في المقابل، شهد الخطاب الشعبي في الولايات المتحدة تحولا حقيقيا في نظرة قطاعات واسعة من الرأي العام إلى إسرائيل، بحيث بات هذا الخطاب مختلفا ومتعارضا أحيانا، مع الموقف الرسمي. وهنا يبرز تساؤل مهم: هل سيستمر هذا التباين إلى أن يبلغ الرأي العام درجة من الضغط تدفع صناع القرار إلى تعديل سياساتهم؟
قد يحدث ذلك، لكن من غير الواقعي التقليل من حجم الجهود التي تبذلها جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل للحيلولة دون هذا التحول. فهي تسعى بفاعلية إلى احتواء الحراك المعارض. ويستحضر كثيرون مشهد ربيع عام 2024، حين شهدت معظم الجامعات الأمريكية مظاهرات واسعة احتجاجا على ما وصف بالإبادة الجماعية في غزة. غير أن هذه المظاهرات تراجعت لاحقا بشكل ملحوظ، ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذا التراجع والعوامل التي أدت إلى انحسارها.
غير أنه، في المقابل، حصل تغير جذري على مستوى السياسة الشعبية والخطاب في أوساط الرأي العام تجاه إسرائيل، بحيث أصبح هذا الخطاب متعارضا مع الموقف الرسمي. عدم تناسب الخطاب الشعبي وعدم تلاؤمه مع الخطاب السياسي يطرح تساؤلا مهما: هل سيستمر هذا التباين أو التعارض على نفس المنوال لدرجة يجبر فيها الخطاب الشعبي المعادي لإسرائيل الخطاب السياسي على التغير؟ إلى أن يبلغ الرأي العام درجة من الضغط تدفع صناع القرار إلى تعديل سياساتهم؟
قد يحدث ذلك، لكن من غير الواقعي التقليل من حجم الجهود التي تبذلها جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل للحيلولة دون هذا التحول. فهي تسعى بفاعلية إلى احتواء الحراك المعارض. ويستحضر كثيرون مشهد ربيع عام 2024، حين شهدت معظم الجامعات الأمريكية مظاهرات واسعة احتجاجاً على ما وُصف بالإبادة الجماعية في غزة. غير أن هذه المظاهرات تراجعت لاحقاً بشكل ملحوظ، ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذا التراجع والعوامل التي أدت إلى انحسارها.
فبعد مرور عام على عملية طوفان الأقصى التي نفذتها حماس، في 7 أكتوبر 2024، بدأ اللوبي الصهيوني في القيام بالمهمة الموكلة إليه بإطفاء أو إخماد هذه المظاهرات، هو جد فعال في قمع أشكال معينة من التظاهرات ومن الخطاب. في هذا الاتجاه، طرحت مؤسسة التي يوجد مقرها بالعاصمة الأمريكية واشنطن، مشروعَ إستر، وهو أحدث مساعيها وأكثرها شراسة لسحق التضامن مع الفلسطينيين. يقتصر المشروع، كمبادرة لمناهضة لمعاداة السامية، على استهداف الأصوات والمجموعات المنتقدة لإسرائيل، ويدعو إلى تعاون الجهات الحكومية والخاصة إلى توظيف أساليب الرقابة والترهيب والدعاوى القضائية لنزع الشرعية عن المنظمات المدافعة عن الحقوق الفلسطينية وتصفيتها. غير أن مشروع إستر، وكل المساعي الشاملة الأخرى المناصرة لإسرائيل والهادفة إلى التصدي للتضامن المتنامي مع القضية الفلسطينية، لم يبدأ فقط مع بداية الإبادة الجماعية في غزة.
لكن، ولأن الخطاب الشعبي بأمريكا قد تغير بشكل جذري وبطرق إبداعية ضد الكيان الصهيوني، فلن ينجح اللوبي الصهيوني في مساعيه وغاياته في نهاية المطاف. وهناك أمل في أن التغير الدائم على مستوى الخطاب سيؤثر على السياسة الأمريكية في المستقبل المنظور. (يتبع)

بيان فرع تمارة بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لـ حركة 20 فبراير: استحضار الذاكرة النضالية لتجديد الممارسة السياسية
الشرطة البريطانية: الإفراج عن أندرو شقيق الملك تشارلز الثالث "مع إبقائه على ذمة التحقيق"
النقابة المستقلة للصحافيين المغاربة 27 عاما من النضال ضد العراقيل الديمقراطية
أوكي..