قراءة في: المشروع الديمقراطي الاجتماعي لحزب الأصالة والمعاصرة
الأنوال نيوز : الدكتوركمال لغمام عضو المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة
“من النشأة إلى أفق 2026: مسار تراكمي من فلسفة الدولة الاجتماعية إلى تدبير الشأن العام وخدمة الوطن والمواطن”
على بعد أشهر قليلة من الاستحقاق التشريعي الحاسم لسنة 2026، يقف حزب الأصالة والمعاصرة أمام محطة مفصلية في مساره السياسي، محملا بتجربة غنية تجمع بين معارضة بناءة امتدت لثلاثة عشر عاما، ومشاركة حكومية مسؤولة منذ 2021، تحت قيادة جماعية أثبتت نجاحها بقيادة المنسقة الوطنية فاطمة الزهراء المنصوري، التي استطاعت أن تعيد للحزب تماسكه الداخلي واستعداده التنظيمي لخوض غمار هذه المعركة الانتخابية الحاسمة. فمن النشأة إلى أفق 2026، يظل السؤال المركزي: كيف يمكن للمشروع الديمقراطي الاجتماعي أن يحول الأفكار النظرية إلى سياسات عمومية ملموسة تخدم المواطن وتعزز الدولة الاجتماعية؟ فمن خلال تعزيز العدالة الاجتماعية، وضمان ظروف عيش لائقة، وتشجيع قيم وممارسات التضامن، يسعى حزب الأصالة والمعاصرة إلى إرساء أُسس العيش الكريم، في انسجام مع فلسفته الإصلاحية التي تضع الإنسان في صلب الأولويات.
أولاً: النشأة والتطور وبناء الهوية السياسية (2008–2011)
عند تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008، لم يكن السؤال محصوراً في البناء التنظيري فحسب، بل تعداه إلى إشكالية الإصلاح السياسي والاجتماعي معاً. انخرط الحزب منذ البداية في مشروع بناء كيان سياسي قادر على الموازنة الدقيقة بين حرية المبادرة الفردية وضرورة العدالة الاجتماعية، دون مصادرة المجال العمومي أو إطلاق العنان للسوق بلا قيود أخلاقية.. بمعنى أن الإصلاح ليس لحظة انقلابية تاريخية، بل عملية تراكمية مستمرة تتجلى في تعميق الدولة الاجتماعية عبر المؤسسات لا عبر القطيعة الثورية.
في هذه المرحلة التأسيسية، كان الرهان على بناء كيان سياسي يجمع بين فعالية الدولة وحيوية المجتمع المدني، في تناغم مع التحولات الدستورية الكبرى لسنة 2011، والتي فتحت آفاقاً جديدة للإصلاح المؤسساتي وكرست مبدأ فصل السلط وتوطيد دعائم الدولة الاجتماعية التي طالما نادى بها الفكر الديمقراطي الاجتماعي. وفي هذا الإطار، تبنى حزب الأصالة والمعاصرة الاعتماد على مقاربة شاملة ومندمجة في صياغة وتنفيذ السياسات الاجتماعية، في توافق تام مع الرؤية الملكية التي تُشكل الإطار المرجعي لورش تعميم الحماية الاجتماعية، مما يؤكد التزامه بمنهجية إصلاحية تضع المواطن في قلب الدينامية السياسية والتنموية.
ثانياً: مرحلة المعارضة: العدالة الاجتماعية كمعيار للمساءلة وخدمة الصالح العام (2008–2021)
خلال 13 سنة من المعارضة، تجلت قيمة النقد بوصفه شرطاً لصحة الديمقراطية لا مجرد تكتيك سياسي. واستناداً إلى رؤية هابرماس حول “الديمقراطية التداولية”، حيث تستمد القرارات السياسية شرعيتها ليس فقط من الأغلبية العددية، بل من جودة النقاش العقلاني في الفضاء العمومي، حوّل الحزب المعارضة من مجرد موقف سياسي إلى أداة أخلاقية لمساءلة السياسات العمومية. كان السؤال دائماً: هل تخدم هذه السياسات فعلاً الفئات الهشة؟ هل تُقلص الفوارق المجالية أم تُعمقها؟
من هنا أضحى تحول المعارضة في هذه المرحلة، كان على المشروع الديمقراطي الاجتماعي أن يُثبت أن خطابه حول العدالة المجالية والحماية الاجتماعية ليس شعاراً انتخابياً عابراً، بل التزام أخلاقي مستند إلى فلسفة إنصاف واضحة المعالم. وقد شكلت هذه الفترة مخزوناً تراكمياً من الرؤى والأفكار التي سيجد الحزب نفسه لاحقاً أمام اختبار تطبيقها واقعياً حين انتقاله إلى موقع التدبير الحكومي.
ثالثاً: تجربة التدبير الحكومي:”التمرين الديمقراطي التداولي” من النظرية إلى الاختبار الواقعي (2021-الآن)
بعد أكثر من عقد من المعارضة، اتخذ حزب الأصالة والمعاصرة قراراً تاريخياً بخوض غمار التجربة الحكومية ضمن الأغلبية الثلاثية (الأحرار والاستقلال)، ليتحول بذلك من التنظير والترافع إلى العمل على بلورة وتنزيل الأفكار في سياسات ملموسة. كان هذا اختباراً حقيقياً لتنزيل الفكر الديمقراطي الاجتماعي على أرض الواقع:
➢ السكن والدعم المباشر.
اعتماد آلية الدعم المباشر للأسر لاقتناء السكن يُقرأ في ضوء مبدأ الفيلسوف جون رولز في “العدالة كإنصاف”؛ إذ يتحول الدعم من آلية غير مباشرة (وبالتالي غير فعالة للأقل حظاً) إلى تمكين فعلي يُحسن الوضعية المادية للمواطن بشكل ملموس. وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، تحت قيادة فاطمة الزهراء المنصوري، تعمل حالياً على تسريع إنتاج وثائق التعمير من الجيل الجديد، مع إرساء إطار قانوني حديث يبسط المساطر ويعزز علاقة الإدارة بالمستثمرين والمواطنين، بهدف تقليص الفوارق المجالية وتحقيق التنمية المستدامة.
➢ الشباب والثقافة.
إطلاق جواز الشباب ودعم الصناعات الثقافية (بما فيها الألعاب الإلكترونية والرقمية) يعكس فهماً حداثياً للعدالة باعتبارها حقاً في الثقافة والمعرفة. هذا التوجه ينسجم مع تصور هابرماس للفضاء العمومي كشرط لمواطنة نشطة ومشاركة فاعلة، خاصة في ظل الإصلاحات الانتخابية الأخيرة التي خصصت دعماً مالياً مهماً للشباب والنساء لخوض غمار العمل السياسي.
➢ التشغيل والاقتصاد.
في مقاربة التشغيل، يتقاطع المشروع مع تصور برنشتاين الإصلاحي: الديمقراطية الاجتماعية لا تلغي آليات السوق، بل تُقوّمها عبر سياسات تحفيزية عادلة، توازن بين المبادرة الفردية والضمان الاجتماعي، بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة التوزيعية. وفي إطار تفعيل برنامج الدولة الاجتماعية الطموح، يتمثل التحدي الكبير في إرساء نمو اقتصادي قوي ومستدام من شأنه خلق منسوب أكبر من الثروة وإتاحة توزيعها بشكل منصف، وهو ما يظل رهاناً أساسياً في تجربة الحزب الحكومية، حيث تتكامل السياسات العمومية لتحقيق التنمية الشاملة.
التعبئة الحكومية لمواجهة تداعيات الفيضانات الأخيرة، والتي أشادت بها القيادة الجماعية للحزب، تجسد هذا التوجه عبر برامج دعم شاملة للأسر المتضررة في إطار التضامن الوطني الفاعل.
➢ التدبير السياسي الناجح للتجربة الحكومية.
ما ميز هذه المرحلة هو اعتماد الحزب لنموذج القيادة الجماعية، الذي أثبت حسب تصريحات المنسقة الوطنية فاطمة الزهراء المنصوري، نجاحاً باهراً في الحفاظ على القدرة على الاستقرار والتماسك الداخلي. هذا النموذج، الذي يقود الحزب باقتدار رفقة المهدي بنسعيد وفاطمة سعدي، لم يعد مجرد ترتيب تنظيمي مؤقت، بل تحول إلى نمط حكم رشيد يثبت يوماً بعد يوم نجاعته في تدبير الشأن الحزبي والاستعداد للاستحقاقات الكبرى.
لقد تمكنت المنصوري، بفضل حنكتها السياسية وتوازنها، من تعزيز موقع الحزب داخل الأغلبية الحكومية، مع الحفاظ على تميز هويته السياسية وعدم الذوبان في التحالف الحكومي، مؤكدة أن المعركة الانتخابية القادمة ستكون برامجية بالأساس وليست في إطار التنكر للتجربة الحكومية.
رابعاً: أفق 2026… الرجاحة والراهنية السياسية كمعيار للاستدامة والتجديد
مع اقتراب الاستحقاق التشريعي لسنة 2026، يصبح السؤال فلسفياً بقدر ما هو سياسي: هل استطاع المشروع أن يترجم الأفكار النظرية والتراكمات الترافعية السابقة إلى إنصاف اجتماعي حقيقي، وأن يحول النمو الاقتصادي إلى عدالة توزيعية ملموسة؟
الطفرة النوعية الممكنة في 2026 تعني ثلاثة أبعاد أساسية:
✓ أولاً، تعزيز الموقع الانتخابي من خلال برنامج انتخابي واقعي وبراغماتي، تعده أكاديمية الحزب بتنسيق مع كفاءات داخلية، بعيداً عن توظيف مكاتب دراسات خارجية، ليبقى البرنامج معبراً حقيقياً عن خصوصية الحزب وقربه من المواطنين. وقد أكد سمير كودار، عضو المكتب السياسي، على أن الحزب جاهز لهذه المعركة ببرنامج مفاجئ يتضمن أسماء شابة ونسائية وكفاءات أكاديمية قادرة على تمثيل الحزب أحسن تمثيل.
✓ ثانياً، تعميق الأثر الاجتماعي الملموس عبر الانتقال من البرامج إلى النتائج، ومن الخطابات إلى المؤشرات القابلة للقياس، خاصة مع الإصلاحات الانتخابية الجديدة التي تهدف إلى تعزيز الشفافية ومحاربة المال السياسي المشبوه.
✓ ثالثاً، ترسيخ ثقافة سياسية تجعل العدالة الاجتماعية معيار الحكم النهائي لا مجرد شعار انتخابي. فاطمة الزهراء المنصوري، التي باتت اليوم مرشحة الحزب الطبيعي لخلافة رئاسة الحكومة، تمثل نموذجاً للقيادة النسائية الوطنية الصادقة، والقادرة على المزاوجة بين الكفاءة التدبيرية والحضور السياسي القوي.
بهذا التكامل الفلسفي و السياسي، تتجلى بصمة الديمقراطية الاجتماعية في مشروع حزب الأصالة والمعاصرة لا كأيديولوجيا جامدة، بل كـمنهج عملي يربط الحرية بالعدالة، والإصلاح بالاستمرارية، والسياسة بخدمة الإنسان في إطار دولة مؤسسات قوية ومتوازنة. الرهان اليوم على قدرة هذا المشروع في ترجمة هذا التراكم إلى ثقة شعبية في صناديق الاقتراع، وإلى نموذج تنموي يضع المواطن المغربي في صلب الأولويات. فمن خلال تعزيز العدالة الاجتماعية، وضمان ظروف عيش لائقة، وتشجيع قيم وممارسات التضامن، يسعى حزب الأصالة والمعاصرة إلى إرساء أُسس العيش الرغيد، مجسداً بذلك فلسفته الإصلاحية التي تجعل من الكرامة الإنسانية والتنمية المستدامة غاية كل عمل سياسي.

مستشفى ابن سينا بالرباط : اقتناء نظام جراحة روبوتية متعددة التخصصات من الجيل الأخير بكلفة تناهز 39.6 مليون درهم
رابطة حقوقية مغربية تدين مقتل مغربيين برصاص الجيش الجزائري وتطالب بتحقيق دولي
الرباط: "الكشفية الدامجة" موضوع يوم دراسي لمنظمة الكشاف الجوال
اختفاء الأطفال بالمغرب: نحو مقاربة مجتمعية شاملة لحماية الطفولة
أوكي..