الصندوق الأسود 7/2: الخطيئة الأصلية للتأمين الإجباري عن المرض من يدفع ثمن التضحية؟
الأنوال نيوز :الكارح أبو سالم
حين أُطلق ورش التأمين الإجباري الأساسي عن المرض (AMO)، كان يُقدَّم للرأي العام باعتباره أحد أكبر الأوراش الاجتماعية بالمغرب، غير أن ما ظل بعيدًا عن الأضواء هو الكلفة الحقيقية التي تحملها القطاع التعاضدي لإنجاح هذا المشروع الوطني في بداياته.
ففي مرحلة كانت الدولة تبحث عن آليات عملية لإخراج المشروع إلى حيز الوجود، وجد القطاع التعاضدي نفسه أمام خيار وصف آنذاك بأنه “تاريخي”، ففتح أبوابه، ووضع رهن إشارة المنظومة الجديدة موارده البشرية، ومراكزه الجهوية والمحلية، وتجهيزاته، وخبراته التي راكمها على مدى عقود، بل وضخ جزءًا من إمكانياته المالية في سبيل ضمان انطلاقة سلسة لهذا الورش.
ولإضفاء الشرعية على هذا الوضع، تم التنظير لما سمي آنذاك “القطاع المشترك” (Secteur Commun)، باعتباره صيغة انتقالية للتعاون بين التعاضديات والهيئة المدبرة، وهي الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS). لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل كان الأمر فعلًا شراكة متوازنة، أم كان مجرد آلية لامتصاص إمكانيات القطاع التعاضدي دون ضمانات قانونية أو مالية واضحة؟
لقد مرت سنوات طويلة، ولم يخرج إلى الرأي العام أي تقييم رسمي يحدد بدقة حجم مساهمة التعاضديات، ولا قيمة الأموال التي ضختها، ولا قيمة الممتلكات التي وضعتها رهن إشارة المنظومة، ولا ما إذا كانت تلك المساهمات قد تمت تسويتها أو تعويضها.
والأخطر من ذلك أن تلك الأموال لم تكن أموال الدولة، بل هي أموال المنخرطين والمستفيدين، الذين راكمتها التعاضديات عبر سنوات طويلة من الاشتراكات. ومن ثم، فإن أي تصرف فيها دون محاسبة أو جرد أو تسوية يثير أكثر من علامة استفهام، ويستوجب فتح نقاش مؤسساتي مسؤول حول مصير هذا الرصيد.
ومن المفارقات التي تستحق الوقوف عندها أن CNOPS، وفق قانونها الأساسي، لم تكن مجرد هيئة إدارية، بل كانت في الأصل اتحادًا (فيدرالية) للتعاضديات. وهو ما يجعل من المشروع التساؤل عن مصير الأصول والعقارات والمراكز والتجهيزات التي كانت مرتبطة بهذه الفيدرالية، وكيف تم تدبيرها عبر السنوات، وهل تم نقلها أو التصرف فيها وفق مساطر واضحة وشفافة تحفظ حقوق أصحابها؟
إن هذه الأسئلة تزداد إلحاحًا اليوم بعد صدور القانون رقم 54.23 القاضي بنقل تدبير التأمين الإجباري عن المرض بالقطاع العام إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS). فهل يجد القطاع التعاضدي نفسه أمام مرحلة جديدة عنوانها التهميش والإقصاء؟ وهل أصبح مهددًا بفقدان آخر أدواره التاريخية داخل منظومة الحماية الاجتماعية؟
وفي خضم هذه التحولات، برز إلى الواجهة تأسيس ما سمي “الاتحاد الوطني لتعاضديات الاحتياط الاجتماعي”. غير أن هذا المستجد يطرح بدوره تساؤلات مشروعة: هل يمثل هذا الإطار رؤية استراتيجية لإعادة تموقع القطاع التعاضدي؟ أم أنه مجرد محاولة للهروب إلى الأمام والاستعداد لمرحلة يتوقع فيها العديد من المتتبعين سحب ما تبقى من اختصاصات التعاضديات؟
إن القطاع التعاضدي يبدو اليوم وكأنه يعيش حالة ارتباك غير مسبوقة، بين ماضٍ لم تتم مساءلة تفاصيله، وحاضر تغلب عليه الضبابية، ومستقبل لم تتضح معالمه بعد.، علما أن مجهودات مضنية غير معلنة تقوم بها هذه التعاضديات أبرزها التعاضدية العامة للموظفين التي يرأس مجلسها الإداري إبراهيم العثماني .
لقد آن الأوان لفتح ملف “القطاع المشترك” بكل جرأة، وإجراء افتحاص مالي وإداري وقانوني مستقل، يحدد بدقة حجم مساهمة التعاضديات، ويكشف مصير أموالها وممتلكاتها، ويبين ما إذا كانت حقوق المنخرطين قد صينت أم أنها ذابت داخل مسار إداري لم يخضع يومًا للتقييم والمحاسبة.
وللحديث بقية…
في الحلقة القادمة من “الصندوق الأسود” Cap24، سنسلط الضوء على تدبير كل من CNOPS وCNSS، ونفتح ملفات تحتاج إلى قراءة هادئة، موضوعية، ومسؤولة، بعيدًا عن الأحكام المسبقة، ومن منطلق خدمة الحقيقة والمصلحة العامة.

رسالة مفتوحة إلى عامل عمالة سلا حول غياب الولوجيات (الممرات الخاصة) للأشخاص في وضعية إعاقة وكبار السن
والي بنك المغرب يقدم للملك تقرير 2025 حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية
الدين الشعبي والتحرر، لماذا يحتاج اليسار المغربي إلى قراءة جديدة للمقدس؟
الصندوق الأسود 02/01: عجز أم الجامعات بالرباط على اخراج مشروع مدن الابتكار اليكم فضح الأسباب
أوكي..