النسخة 21 للملتقى العالمي للتصوف.. إمارة المؤمنين وصيانة الإرث النبوي.. رهانات التزكية وترسيخ نموذج قيمي حضاري للحياة الطيبة
الانوال نيوز
يشكل الملتقى العالمي للتصوف، بما يحمله من أبعاد روحية وفكرية وحضارية، مناسبة لإعادة طرح سؤال القيم في زمن تتزايد فيه التحولات الاجتماعية والفكرية، وتتعمق فيه الحاجة إلى بناء الإنسان على أساس من التوازن والاعتدال والرحمة. وفي قلب هذا النقاش تحضر مؤسسة إمارة المؤمنين بالمغرب باعتبارها إحدى ركائز صيانة الثوابت الدينية وحماية المرجعية الروحية للمملكة، بما يجعلها عنصراً أساسياً في الحفاظ على الإرث النبوي وترسيخ نموذج ديني يقوم على الوسطية والتزكية وحسن السلوك.
ولا ينظر إلى التصوف في التجربة المغربية باعتباره مجرد ممارسة روحية فردية، وإنما باعتباره أحد مكونات الهوية الدينية والثقافية التي راكمت عبر التاريخ منظومة من القيم المرتبطة بالإحسان والتسامح والتواضع وخدمة الإنسان.
ومن هنا تأتي أهمية الملتقى العالمي للتصوف في نسخته 21 بفتح نقاش يتجاوز المفاهيم التقليدية للتدين نحو البحث في قدرة القيم الروحية على المساهمة في بناء مجتمع أكثر توازناً وتماسكاً.
وتحضر إمارة المؤمنين في هذا السياق باعتبارها مرجعية جامعة في المجال الديني، تضطلع بمسؤولية صيانة الثوابت وحماية الأمن الروحي للمغاربة.
وقد ارتبطت هذه المرجعية تاريخياً بالحفاظ على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهي مكونات أسهمت في تشكيل خصوصية التدين المغربي وترسيخ ثقافة الاعتدال ونبذ الغلو.
ويكتسب مفهوم التزكية أهمية خاصة ضمن هذا التصور، باعتبارها مساراً لتربية الإنسان على تهذيب النفس ومقاومة الأنانية والعنف والكراهية، والارتقاء بالسلوك من خلال استحضار قيم الصدق والأمانة والرحمة والإحسان.
فالتزكية، حين تتحول من خطاب نظري إلى ممارسة يومية، تصبح مدخلاً لبناء الإنسان القادر على تحقيق التوازن بين حقوقه وواجباته، وبين مصالحه الفردية ومسؤوليته تجاه المجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن استحضار الإرث النبوي لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء بالماضي، بل يفترض تحويل القيم النبوية إلى سلوك حي قادر على الإجابة عن تحديات الحاضر.
فالرحمة، والعدل، والتسامح، وصون كرامة الإنسان، وإغاثة المحتاج، وحسن المعاملة، كلها قيم يمكن أن تشكل أساساً لنموذج حضاري يجعل الإنسان محوراً للتنمية ويمنح للحياة معنى يتجاوز الاستهلاك والمصلحة المادية.
وتبرز هنا فكرة الحياة الطيبة باعتبارها أفقاً يتكامل فيه البعد الروحي مع البعد الاجتماعي والحضاري. فالحياة الطيبة لا تتحقق فقط بتوفير شروط العيش المادي، وإنما تحتاج أيضاً إلى الأمن النفسي، والتضامن، والعدالة، والاحترام المتبادل، والشعور بالانتماء، وإلى منظومة قيم تمنح الإنسان القدرة على العيش في سلام مع ذاته ومع الآخرين.
كما أن الرهان على التصوف في هذا الإطار لا يعني الانغلاق على التجربة الروحية، بل يقتضي جعلها قوة دافعة نحو الانفتاح والحوار وخدمة المجتمع. فكلما ارتبطت التزكية بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، أمكن للقيم الروحية أن تتحول إلى رافعة حضارية تساهم في مواجهة مظاهر التطرف والكراهية والعنف، وتدعم ثقافة السلم والتعايش.
إن الملتقى العالمي للتصوف يفتح، بهذا المعنى، ورشة فكرية تتجاوز حدود النقاش الديني الضيق، لتلامس سؤال الإنسان ومصير المجتمعات في عالم يعرف تغيرات متسارعة. وهو سؤال يفرض البحث عن نموذج قيمي قادر على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثبات والانفتاح، وبين الروح والمادة.
وفي صلب هذا المسار، تظل إمارة المؤمنين، ضمن النموذج المغربي، إطاراً مؤسساتياً لصيانة المرجعية الدينية والثوابت الروحية، بينما تظل التزكية إحدى الآليات الأساسية لبناء الإنسان من الداخل.
وعندما تلتقي المرجعية الدينية بالقيم الأخلاقية وبمشاريع التنمية والعدالة والتضامن، يصبح الحديث عن نموذج حضاري للحياة الطيبة أكثر من مجرد شعار؛ إنه مشروع متكامل لإعادة الاعتبار للإنسان والقيم في بناء المستقبل. وهكذا، فإن صيانة الإرث النبوي لا تعني حفظ الموروث في الذاكرة فحسب، وإنما تعني أيضاً استحضار جوهره الأخلاقي وتحويله إلى ممارسة وسلوك ومؤسسات وثقافة مجتمعية.
ومن هنا تتجلى أهمية الرهانات التي يطرحها الملتقى العالمي للتصوف: تزكية الإنسان، وترسيخ القيم، وتعزيز الاعتدال، وبناء مجتمع متماسك، والإسهام في صياغة نموذج حضاري يجعل من الحياة الطيبة ثمرة للروح والقيم والعمل المشترك.

غلاء المحروقات وتراكم الديون يثقلان كاهل مهنيي سيارات الأجرة.. والنقابة تطالب بحوار استعجالي
المغرب يتقدم ب52% من القدرة الكهربائية قد تأتي من الطاقات المتجددة بحلول 2028
حي الرزق تابريكت بسلا.. طرق مثقلة بالحفر والساكنة تنتظر تدخلاً عاجلاً
أوكي..