سفارات المغرب وإسرائيل قبل الانتخابات وفي خضم أزمة سبتة.. لماذا الآن؟
الأنوال نيوز
في توقيت إقليمي ودبلوماسي شديد الحساسية، اختار المغرب وإسرائيل الارتقاء بعلاقاتهما من مستوى مكاتب الاتصال إلى مستوى السفارات، مع الاتفاق على تعيين سفراء في البلدين. الخطوة التي أُعلن عنها في نيويورك يوم 16 شتنبر 2026 جاءت برعاية أمريكية، في وقت تتزامن فيه الأزمة المغربية الإسبانية حول سبتة مع الاستحقاقات الانتخابية المغربية المقررة في 23 شتنبر، وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة سياسية حول دلالات التوقيت وخلفياته.
الاتفاق المغربي الإسرائيلي لم يقتصرعلى رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، بل شمل أيضًا توسيع الرحلات الجوية المباشرة، والتحضير لاتفاقيات بشأن حماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي، إلى جانب زيارات مرتقبة على مستوى رفيع. وقد جرى الإعلان عن الخطوة خلال اجتماع جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، بحضور السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز.
لماذا جاء القرار في هذا التوقيت؟
السؤال لا يتعلق فقط بسبب تطوير العلاقات المغربية الإسرائيلية، وإنما أيضًا بسبب اختيار هذا الظرف بالذات.
فالقرارجاء قبل أيام قليلة من الانتخابات التشريعية المغربية، وفي الوقت الذي تشهد فيه العلاقات المغربية الإسبانية توترًا على خلفية أزمة سبتة، التي بدأت بعد موجة العبور الجماعي للمهاجرين في نهاية يوليوز2026 وما تبعها من سجال سياسي بين الرباط ومدريد.
وفي 10 شتنبر، أكدت وزارة الخارجية المغربية رفضها تحويل المغرب إلى "ورقة انتخابية" في الصراعات السياسية الإسبانية، بينما كانت مدريد قد فتحت نقاشًا رسميًا حول أسباب أزمة سبتة. كما استدعت الحكومة الإسبانية السفيرة المغربية في مدريد على خلفية تصريحات لمسؤولين مغاربة بشأن سبتة ومليلية.
وفي هذا السياق، نشرت صحيفة El País تحليلًا ربط بشكل مباشر بين رفع مستوى العلاقات المغربية الإسرائيلية وبين أزمة سبتة، معتبرة أن الخطوة تمت تحت رعاية أمريكية وفي لحظة حساسة بالنسبة للعلاقات بين الرباط ومدريد.
هل الرسالة موجهة إلى إسبانيا؟
لا توجد وثيقة رسمية تقول إن المغرب اتخذ قرار السفارات بهدف الضغط على إسبانيا أو الرد على مدريد، ولذلك سيكون من غير الدقيق تقديم هذا التفسير باعتباره حقيقة.
لكن من الناحية الجيوسياسية، فإن تعزيز علاقة المغرب بواشنطن وتل أبيب في هذا الظرف يمكن أن يُقرأ باعتباره جزءًا من توسيع شبكة الشراكات الاستراتيجية المغربية خارج الإطار الأوروبي.
فالاجتماع الذي خرج منه الاتفاق لم يكن ثنائيًا مغربيًا إسرائيليًا فقط؛ الولايات المتحدة كانت طرفًا أساسيًا فيه، والبيان المشترك وضع الخطوة ضمن إطار الإعلان المغربي الأمريكي الإسرائيلي الموقع سنة 2020.
وبالتالي، فإن الرسالة المحتملة ليست بالضرورة "موجهة ضد إسبانيا"، وإنما قد تعكس رغبة في التأكيد على أن المغرب يمتلك شبكة واسعة من العلاقات الاستراتيجية، وأن علاقته بمدريد ليست القناة الوحيدة التي يتحرك من خلالها في الملفات الدولية.
الصحراء.. العنصر الأكثر وضوحًا
إذا كان هناك ملف يمكن توثيق حضوره بقوة في هذا التطور، فهو الصحراء.
فالبيان الثلاثي الأخير أعاد التأكيد على دعم الولايات المتحدة وإسرائيل لسيادة المغرب على الصحراء ولمقترح الحكم الذاتي الذي تقدمه الرباط أساسًا للحل. وهذا يجعل العلاقة المغربية الإسرائيلية جزءًا من مسار دبلوماسي أوسع بالنسبة للمغرب، وليس مجرد تعاون ثنائي في مجالات الاقتصاد أو الأمن.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم أهمية استمرار الدعم الأمريكي والإسرائيلي للموقف المغربي في مرحلة تشهد فيها الرباط معركة دبلوماسية واسعة حول قضية الصحراء، خصوصًا في علاقتها مع أوروبا.
وماذا عن الانتخابات المغربية؟
توقيت الإعلان قبل الانتخابات يفرض نفسه على أي قراءة سياسية، لكن يجب الحذر من الربط السببي.
فالانتخابات التشريعية مقررة في 23 شتنبر 2026، بينما أعلن الاتفاق المغربي الإسرائيلي في 16 شتنبر، أي قبل أسبوع واحد فقط.
هذا التزامن قد يجعل القرار حاضرًا في النقاش السياسي والإعلامي خلال الحملة الانتخابية، خصوصًا أن العلاقات مع إسرائيل موضوع حساس داخل المجتمع المغربي، ولا سيما في ظل الحرب في غزة.
لكن لا توجد معطيات موثوقة تثبت أن قرار رفع مستوى العلاقات اتُخذ بهدف التأثير على نتائج الانتخابات أو خدمة جهة سياسية بعينها. لذلك يبقى الربط بين الأمرين قراءة سياسية محتملة وليس حقيقة مثبتة.
فلسطين.. المعادلة الأكثر حساسية
رفع العلاقات إلى مستوى السفارات يضع الدبلوماسية المغربية أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على العلاقات مع إسرائيل من جهة، والاستمرار في الموقف الرسمي الداعم للقضية الفلسطينية من جهة أخرى.
وهذه الحساسية لا تأتي من فراغ؛ فالتقارب المغربي الإسرائيلي شهد تراجعًا في الواجهة السياسية والشعبية خلال حرب غزة، رغم استمرار قنوات التعاون بين البلدين.
ومن ثم، فإن الانتقال الآن إلى مستوى السفارات يمثل عودة قوية للعلاقة إلى الواجهة، في ظرف إقليمي لا تزال فيه القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الرأي العام العربي والمغربي.
من مكاتب الاتصال إلى السفارات.. ماذا يعني ذلك؟
الانتقال إلى السفارات لا يعني تلقائيًا قيام تحالف عسكري أو تغييرًا جذريًا في السياسة الخارجية المغربية، لكنه يعني مأسسة العلاقة بدرجة أعلى، وفتح المجال أمام تمثيل دبلوماسي كامل، واتفاقيات اقتصادية واستثمارية أوسع، وزيارات رسمية أكثر انتظامًا.
واللافت أن الخطوة الجديدة جاءت بعد ست سنوات من استئناف العلاقات في إطار اتفاقيات أبراهام، ما يوحي بأن الطرفين ينتقلان من مرحلة إعادة بناء العلاقات إلى مرحلة محاولة جعلها أكثر استقرارًا ومؤسساتية.
بين إسبانيا وأمريكا وإسرائيل.. المغرب أمام معادلة إقليمية جديدة
قد يكون من المبكر القول إن المغرب يريد استبدال شراكته مع إسبانيا بشراكة مع إسرائيل؛ فالعلاقة المغربية الإسبانية لها أبعاد اقتصادية وأمنية وتجارية وهجرية عميقة.
لكن توقيت التطور يجعل من المشروع طرح سؤال أكبر: هل تعمل الرباط على تنويع أوراقها الاستراتيجية في ظل التوتر مع مدريد؟
المعطيات المتوفرة تثبت فقط أن المغرب وإسرائيل قررا رفع مستوى العلاقات، وأن الولايات المتحدة كانت حاضرة في الاتفاق، وأن ذلك حدث بالتزامن مع أزمة سبتة وقبل أيام من الانتخابات المغربية. أما القول بأن أحد هذه الملفات كان السبب المباشر في القرار، فيحتاج إلى أدلة إضافية.
وهنا تكمن أهمية الحدث: ليس فقط في فتح سفارتين، وإنما في الرسائل التي يمكن أن تحملها الخطوة داخل معادلة مغربية تجمع بين الصحراء، الولايات المتحدة، أوروبا، إسرائيل، والقضية الفلسطينية، في لحظة سياسية شديدة الحساسية.

بين أحكام الشريعة ومواثيق الحقوق: التطبيع مع الاحتلال فاقد للمشروعية والأخلاق
من إصلاح القلب إلى حوكمة السلطة كيف تتحول قيم التزكية إلى ضمانات تحمي القرار والحق؟
الانتخابات التشريعية 2026 – المساواة بين النساء والرجال وفعلية الحقوق
أوكي..