من أزمة السكن الخانقة بإسبانيا إلى صناديق الاقتراع..لماذا اختار سانشيز هذا التوقيت للانتخابات؟
الانوال نيوز
لم تعد أزمة السكن في إسبانيا مجرد ملف اجتماعي واقتصادي يضغط على الأسر والشباب، بل تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى قضية سياسية مركزية أعادت ترتيب أولويات النقاش العام، بالتزامن مع قرار رئيس الحكومة بيدرو سانشيز الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نونبر 2026، أي قبل نحو تسعة أشهر من الموعد الذي كان مقرراً لنهاية الولاية التشريعية.
وجاء القرار بعد أيام قليلة من فشل الحكومة في تمرير مرسومين يرتبطان بشكل مباشر بأزمة السكن، في وقت كانت فيه الاحتجاجات تتسع في عدد من المدن الإسبانية، على خلفية ارتفاع أسعار الإيجار وصعوبة الولوج إلى السكن، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب والأسر ذات الدخل المحدود.
السكن يتحول إلى أزمة وطنية تشهد سوق السكن الإسبانية اختلالاً بين العرض والطلب، مع ارتفاع كلفة الإيجار وتراجع قدرة فئات واسعة على شراء مساكن، فيما تشير تقديرات إلى إمكانية وصول العجز في المساكن إلى نحو مليون وحدة بحلول عام 2028 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
كما أن حصة السكن الاجتماعي في إسبانيا لا تزال محدودة مقارنة بالحاجة المتزايدة. وزادت القضية حدة بعد قضية إخلاء مسنة تبلغ 87 عاماً في مدريد، وهي الواقعة التي تحولت إلى رمز للاحتجاجات الاجتماعية ضد صعوبة الحصول على سكن وحماية المستأجرين، وأعادت ملف الإخلاءات إلى صدارة النقاش السياسي.
وفي استطلاع للرأي أُجري نهاية شتنبر، أيد 67.5 في المائة من المستجوبين وضع قيود على أسعار الإيجار، بينما بلغت نسبة المؤيدين لتوسيع السكن الاجتماعي 82.4 في المائة، ما يعكس اتساع الاهتمام الشعبي بالملف خارج قواعد اليسار التقليدية. حكومة سانشيز تحاول التحرك أمام تصاعد الضغط الاجتماعي، أقرت الحكومة الإسبانية حزمة من التدابير العاجلة شملت حماية أكبر للمستأجرين المهددين بالإخلاء، وتنظيم بعض أشكال الإيجار الموسمي وتأجير الغرف، إلى جانب إجراءات ضريبية وتمويلية، فضلاً عن إنشاء صندوق بقيمة 10 مليارات يورو لدعم الراغبين في شراء مسكنهم الأول وتمويل مشاريع سكنية.
لكن هذه الإجراءات اصطدمت بالواقع السياسي داخل البرلمان، بعدما فشلت الحكومة في تمرير مرسومي السكن، في ظل غياب أغلبية برلمانية مستقرة واعتماد حكومة سانشيز على تفاهمات متغيرة مع عدد من الأحزاب.
وكان تصويت حزب «جونتس» إلى جانب قوى المعارضة أحد العوامل المباشرة التي أسقطت المرسومين. لماذا اختار سانشيز صناديق الاقتراع الآن؟ قرار الدعوة إلى انتخابات مبكرة لا يرتبط بالسكن وحده، لكنه جاء في لحظة أصبح فيها هذا الملف محوراً ضاغطاً على الحكومة.
ففشل البرلمان في تمرير إجراءات اعتبرتها الحكومة استجابة عاجلة للأزمة كشف مرة أخرى صعوبة الحصول على الأغلبية اللازمة لتمرير سياساتها. وفي خطابه لإعلان الانتخابات، قال سانشيز إن حكومته ارتكبت أخطاء ولم تتمكن من تحقيق كل ما تعهدت به، مؤكداً أن معالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها السكن، تحتاج إلى دعم برلماني أوسع.
وحدد موعد الانتخابات في 29 نونبر المقبل،أما من الناحية السياسية، يضع قرار سانشيز أزمة السكن في قلب المعركة الانتخابية المقبلة، فالقضية التي كانت تمثل عبئاً على الحكومة تحولت أيضاً إلى موضوع تستطيع من خلاله الأحزاب تقديم تصورات مختلفة بشأن الإيجار، والبناء، والسكن الاجتماعي، ودور الدولة في تنظيم السوق بين أزمة اجتماعية وحسابات سياسية
وتأتي الانتخابات المبكرة في ظل مرحلة سياسية معقدة للحكومة الإسبانية، بعدما أصبح تمرير القوانين والإجراءات الكبرى مرتبطاً بمفاوضات صعبة مع الأحزاب التي ساهمت في ضمان استمرار الحكومة دون أن تشكل معها تحالفاً مستقراً. ويرى محللون نقلت عنهم وسائل إعلام إسبانية أن فشل إجراءات السكن والاحتجاجات الأخيرة فتحا أمام سانشيز فرصة لإعادة وضع القضايا الاجتماعية في مركز النقاش الانتخابي، بعدما كانت ملفات أخرى، بينها الهجرة وقضايا الفساد، تحتل مساحة كبيرة من النقاش السياسي خلال الأسابيع السابقة.
وفي المقابل، تدخل المعارضة الانتخابات وهي تطرح مقاربة مختلفة لأزمة السكن، تقوم أساساً على زيادة وتيرة البناء وتسهيل الإجراءات المرتبطة بالتعمير وتوسيع العرض، بينما يدفع اليسار نحو مزيد من التنظيم لسوق الإيجار وتوسيع الحماية الاجتماعية.
السكن.. عنوان الانتخابات المقبلة؟
مع تحديد 29 نونبر موعداً للاقتراع، يبدو أن أزمة السكن ستحتل موقعاً متقدماً في الحملة الانتخابية، ليس فقط بسبب ارتفاع الأسعار، وإنما لأن القضية تمس شريحة واسعة من المجتمع الإسباني، من الشباب الذين يجدون صعوبة في الاستقلال والسكن، إلى الأسر التي تواجه ارتفاع الإيجارات، وصولاً إلى المالكين والمستثمرين والسلطات المحلية وبذلك، فإن قرار سانشيز الذهاب إلى صناديق الاقتراع في هذا التوقيت جاء مباشرة بعد أزمة برلمانية حول السكن واحتجاجات اجتماعية متصاعدة، لكنه يرتبط أيضاً بمشكلة أوسع تتمثل في صعوبة إدارة حكومة تفتقر إلى أغلبية مستقرة.
وبينما ستحدد نتائج انتخابات نونبر شكل البرلمان المقبل، فإن السؤال الذي سيظل مطروحاً أمام أي حكومة جديدة هو: هل تستطيع إسبانيا معالجة أزمة السكن من جذورها عبر زيادة العرض وتوسيع السكن الاجتماعي، أم ستظل الأزمة رهينة بإجراءات مؤقتة وصراع سياسي متواصل حول أسعار الإيجار وحقوق المالكين والمستأجرين؟

زخات رعدية وهبات رياح الثلاثاء والأربعاء بعدد من مناطق المملكة
الرئيس الأمريكي يتيح لجميع الأميركيين استخدام الديزل المعفى من الضرائب
سلا للثقافة والفنون تنظم معرض الفنانين التشكيليين لمدينة سلا وتقدم دليلا لهم
أوكي..