هيمنة الإمبراطورية الأمريكية في زمن التراجع والدروس التاريخية
الأنوال نيوز :العلمي الحروني - منسق تيار اليسار الجديد المتجدد
لم تعد الولايات المتحدة تديرالنظام الدولي بالطمأنينة التي صاحبت صعودها، بل صارت تدافع عن موقعها في عالم تتعدد فيه القوى. فهل تكرر واشنطن في مواجهتها لصعود الصين نمط الإمبراطوريات المتراجعة؟ وإلى أي حد يزيد العبء الإسرائيلي ("إسرائيل أولا") من كلفة هذا التراجع بدل أن يخدم مصالحها البعيدة المدى؟
إن أخطر إرث خلفته الحقبة الأحادية القطبية هو وهم "التحكم بالتصعيد" والاعتقاد بأن القوة المهيمنة قادرة على رفع إيقاع الصراع أو خفضه متى شاءت، وأن خصومها سيستجيبون دائما وفق الحسابات التي تضعها هي. غير أن عودة التعددية القطبية جعلت التصعيد تفاعلا متبادلا وليس أحادي الاتجاه؛ فثمة قوى صارت تملك بدورها القدرة على فرض إيقاعها ورسم حدودها. وهنا يكمن الخطر، أن تستمردولة في التصرف بعقلية الهيمنة داخل عالم لم يعد يحتملها.
من خلاصات الاقتصاد السياسي أن القوة المهيمنة تظهر سخاءها ونزعتها السلمية في المرحلة التي تنعم فيها بالاطمئنان إلى ديمومة قوتها. فبعد الحرب العالمية الثانية، قدمت الولايات المتحدة عبر خطة مارشال مساعدات مالية واقتصادية هائلة لأوروبا ولدول الخطوط الأمامية تجاوزت ثلاثة عشر مليار دولار، بهدف إعادة الإعمار والتصدي للنفوذ الشيوعي وتثبيت موقعها الجيوسياسي.
لكن طابع الهيمنة يتغير تماما حين تبدأ في التراجع. يصبح الحفاظ على الموقع هدفا في ذاته، وتنتقل الدولة من إدارة النظام وتوسيع نفوذها إلى المنع الصارم لصعود المنافسين بأي ثمن، فتتوسع في العقوبات والضغوط، وتنظر إلى صعود الآخرين تهديدا لمكانتها عوض اعتبار ذلك منافسة طبيعية. ولهذا يرى عدد من الباحثين في العلاقات الدولية أن مراحل تراجع الهيمنة قد تكون أشد اضطرابا من مراحل صعودها، لأن الخوف من فقدان المكانة يدفع إلى قرارات أكثر تشددا ومخاطرة. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك.
دروس الإمبراطوريات السابقة
ويقدم التاريخ أمثلة عديدة يمكن الاستفادة منها، وإن كان من الخطأ التعامل معها باعتبارها قوانين ثابتة تنطبق بصورة آلية على كل حالة.
فالإمبراطورية الإسبانية، بعد أن كانت القوة الأوروبية الأبرز خلال القرنين 16 و17، واجهت منافسة متزايدة من بريطانيا وهولندا وفرنسا. ومع اشتداد المنافسة، أنفقت موارد هائلة للحفاظ على ممتلكاتها ونفوذها، وخاضت حروبا طويلة أرهقت اقتصادها. ويرى بعض المؤرخين أن تكاليف المحافظة على المكانة الإمبراطورية ساهمت في تسريع تراجعها.
وبالمثل، عندما بدأت بريطانيا تواجه منافسة متزايدة من قوى صناعية جديدة، وعلى رأسها ألمانيا والولايات المتحدة، في أواخر القرن 19 وبدايات القرن 20، ازداد اهتمامها بحماية طرق التجارة والمستعمرات، ودخلت في سباقات تسلح وتحالفات دولية معقدة. ومع ذلك، فإن التجربة البريطانية تختلف في نقطة أساسية، فقد استطاعت في النهاية، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، قبول انتقال تدريجي لمركز القيادة العالمية إلى الولايات المتحدة دون الدخول معها في مواجهة شاملة.
أما الاتحاد السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي، فقد واجه وضعا مختلفا لكنه يحمل بعض أوجه التشابه. فمع تباطؤ الاقتصاد واشتداد المنافسة مع الولايات المتحدة، أصبحت المحافظة على مجال النفوذ في أوروبا الشرقية والحرب في أفغانستان أكثر كلفة. وانتهى الأمر بالانسحاب من أفغانستان، ثم بفقدان السيطرة على دول الكتلة الشرقية، قبل أن يتفكك الاتحاد السوفيتي نفسه.
وفي المقابل، كانت تجربة الإمبراطورية العثمانية خلال القرن التاسع عشر أكثر ارتباطا بالحفاظ على ما تبقى من أراضيها ونفوذها بدلا من التوسع. وشهدت تلك المرحلة إصلاحات داخلية ومحاولات متكررة لمنع انفصال الأقاليم، بالتوازي مع اعتماد متزايد على التوازنات الدولية للحفاظ على الدولة. ولذلك يمكن القول إن الإمبراطوريات لا تتعامل بالطريقة نفسها مع التراجع؛ فبعضها يواجه بمزيد من التوسع والمواجهة، وبعضها يحاول إدارة الانكماش والتكيف معه.
فهل تنطبق هذه الأنماط على الولايات المتحدة والصين؟ وهل تعيد المنافسة الأمريكية الصينية اليوم إنتاج هذا النمط، بحيث تنشغل واشنطن بالحفاظ على موقعها أمام صعود التنين الصيني؟ أم أن العوامل الجديدة، مثل الردع النووي والترابط الاقتصادي والمؤسسات الدولية، قد تسهل مجتمعة تراجعا أقل تشددا وخسارات، وقد تنجح أمريكا في التكيف مع ميزان القوى الجديد بأقل قدر من الصدام؟
أرضية تيار اليسار الجديد المتجدد وقراءة التحول في النظام الدولي: بين حتمية الصدام وإمكان التعايش:
وتستدعي هذه الأسئلة بعض المقاربات التي عرضتها "أرضية تيار اليسار الجديد المتجدد" في تحليلها لتحولات النظام الدولي والعلاقة بين القوى السائدة والقوى الصاعدة. فهي لا تقدم قراءة واحدة للصراع الأمريكي الصيني، وإنما تستحضر عدة مدارس واتجاهات: مدرسة حتمية الحرب أو الاصطدام، التي ترى في انتقال القوة من قوة سائدة إلى قوة صاعدة مصدرا بنيويا للتوتر، كما في أطروحات غراهام أليسون وجون ميرشايمر؛ ومدرسة الواقعية الهجومية التي تركز على سعي القوى الصاعدة إلى توسيع مجال نفوذها تدريجيا وتعزيز موقعها في النظام الدولي. ثم هناك المدرسة المطمئنة ومدرسة التعايش وتفادي التصادم، التي تفتح إمكانية إدارة التنافس والتكيف مع انتقال القوة دون الانزلاق بالضرورة إلى الحرب؛ وأخيرا المدرسة الجيوسياسية التقليدية المرتبطة بنظرية "قلب العالم" عند هالفورد ماكيندر، التي تنظر إلى التحولات في القوة من زاوية الجغرافيا الاستراتيجية ومواقع التحكم في المجال العالمي.
وتكمن أهمية استحضار هذه المقاربات في أنها لا تقود إلى نتيجة واحدة. فبينما تنظر بعض المدارس إلى صعود الصين باعتباره مسارا قد يقود إلى احتكاك متزايد مع الولايات المتحدة، ترى مقاربات أخرى أن التنافس يمكن إدارته، وأن انتقال جزء من القوة العالمية لا يعني بالضرورة حربا بين القوتين. وبالتالي، فإن السؤال ليس فقط: هل تتراجع الهيمنة الأمريكية وتصعد الصين؟ وإنما أيضا: كيف ستتعامل القوة السائدة مع صعود القوة المنافسة، وكيف ستتصرف القوة الصاعدة لتجنب الاصطدام المبكر، وما إذا كان النظام الدولي يمتلك من الآليات ما يسمح بإدارة هذا الانتقال؟ وهذا يجعل المقارنة التاريخية مفيدة، دون اعتبارها قانونا حتميا، فالتاريخ يقدم أنماطا متكررة لا قوانين ثابتة. (يتبع).

سعد الدين العثماني.. من عيادة الطب إلى رئاسة الحكومة ومسار سياسي طويل
توقيف ممرضة متدربة ببومية بشبهة انتحال صفة "دركية" وحجزلباس نظامي
أوكي..