حين تتعانق القصيدة والزجل والذاكرة التراثية
الأنوال نيوز
حوارافتراضي مع الشاعرة والزجّالة والباحثة في التراث، أستاذة اللغة العربية والفاعلة الجمعوية ببيت المبدع، خديجة شاكرمن اللغة إلى القصيدة، ومن نبض الزجل إلى ذاكرة التراث، تتعدد مسارات الإبداع الثقافي، وتلتقي عند سؤال الهوية والإنسان
في هذا الحوارالافتراضي، نفتح مع الأستاذة خديجة شاكر نوافذ على تجربتها الإبداعية، وعلاقتها باللغة العربية والزجل المغربي، وانشغالها بالتراث، ورؤيتها لدور الفعل الجمعوي في خدمة الثقافة والإبداع.
-كريم القيشوري : أهلًا بكِ أستاذة خديجة شاكر، وشكرًا لقبولكِ هذه الدعوة الافتراضية للحديث عن تجربتكِ في الشعر والزجل والبحث في التراث. لنبدأ من السؤال الأول: كيف تقدمين نفسكِ للقارئ؛ شاعرةً أم زجّالةً أم باحثةً في التراث ؟
-خديجة شاكر : أعتقد أن هذه الصفات تتكامل ولا تتعارض. فالشعر يمنحني القدرة على التعبير عن الذات والإنسان، والزجل يفتح أمامي أبواب اللغة الحية، لغة الناس في أحاديثهم وأفراحهم وأحزانهم، أما البحث في التراث فيمنحني فرصة العودة إلى الذاكرة الجماعية واستكشاف ما تختزنه من حكم وتجارب ورموز. إنها مسارات مختلفة تلتقي عند الإنسان المغربي، في لغته ووجدانه وتاريخه.
- كريم القيشوري : ما الذي يجذبكِ إلى الزجل تحديدًا؟ أهي اللغة الدارجة، أم ارتباط هذا الفن بالحياة اليومية ؟
-خديجة شاكر : الزجل ليس مجرد استعمال للدارجة، بل هو طريقة في رؤية العالم والتعبير عنه. فاللغة التي يتحدث بها الناس تحمل تفاصيل حياتهم، وتختزن صورًا من طفولتهم وذاكرتهم الجماعية. وفي كلمة شعبية بسيطة قد نجد كثافة دلالية لا تقل عمقًا عن لغة القصيدة المكتوبة بالفصحى. المهم هو أن تتحول اللغة إلى أداة للإبداع، لا إلى مجرد نقل حرفي للكلام اليومي.
-كريم القيشوري : يُنظر أحيانًا إلى الزجل باعتباره فنًا شفهيًا مرتبطًا بالمجالس والحلقات الشعبية. فهل استطاع أن يفرض مكانته في الكتابة الأدبية الحديثة؟
-خديجة شاكر: الزجل المغربي له تاريخ غني، بأشكاله الشفوية والمكتوبة، وبعلاقته بالإنشاد والموسيقى والحكي. وقد أتاح التدوين والنشر فرصًا جديدة لحفظ النصوص وتداولها. لكن الكتابة لا ينبغي أن تقطع الصلة بين الزجل وبيئته الحية؛ فجزء من جماله يكمن في إيقاعه ونبرته وإمكانات أدائه. التحدي هو أن نحافظ على روحه الشعبية، مع منح النص استقلاليته الفنية وعمقه الفكري.
-كريم القيشوري: بصفتكِ باحثة في التراث، كيف تنظرين إلى العلاقة بين الذاكرة الشعبية والإبداع الشعري؟
-خديجة شاكر : التراث ليس مخزنًا للماضي نعود إليه كلما أردنا استحضار صورة قديمة، بل هو مادة حية قابلة لإعادة القراءة والتأويل. فالأمثال والحكايات والأغاني والأهازيج والعادات تحمل رؤى الناس للعالم. ويمكن للشاعر أن يستلهم هذه المادة ليطرح أسئلة الحاضر. غير أن الاستلهام الحقيقي لا يعني التكرار، وإنما اكتشاف الدلالات الجديدة الكامنة في الموروث.
-كريم القيشوري : هل يمكن اعتبار الزجل المغربي وثيقة اجتماعية وتاريخية ؟
-خديجة شاكر: يحمل التراث النسائي المغربي ثروة كبيرة من الأغاني والأمثال والحكايات وأشكال التعبير المرتبطة بمراحل الحياة والمناسبات الاجتماعية. وقد انتقلت أجزاء واسعة منه شفهيًا، في فضاءات لم تكن تحظى دائمًا بالاهتمام البحثي الكافي. إن توثيق هذا التراث ليس مجرد جمع للنصوص، بل هو أيضًا اعتراف بدور النساء في إنتاج الثقافة ونقلها وتجديدها. ومن الضروري أن يتم هذا العمل باحترام للرواة والسياقات التي نشأ فيها هذا الإبداع.
-كريم القيشوري : وكيف يمكن للباحث أن يوثق الذاكرة الشعبية ، من دون أن يشوّهها أو يفصلها عن سياقها؟
-خديجة شاكر : ينبغي أن يبدأ الإصغاء قبل الكتابة. على الباحث أن يحترم رواية أصحاب الذاكرة، وأن يسجل اختلاف الصيغ المحلية، وأن يوضح المكان والزمان وظروف الأداء، ما أمكن. فالتراث الشفهي ليس نصًا جامدًا له صيغة واحدة نهائية؛ إنه يتغير عبر انتقاله بين الأجيال والمناطق. ومن المهم كذلك توثيق أسماء الرواة ونسبة المادة إليهم، والتمييز بين ما جُمع ميدانيًا وما أعيدت صياغته أو تفسيره.
-كريم القيشوري: لننتقل إلى سؤال الإبداع: هل يستطيع الزجّال أن يكون ملتزمًا بقضايا مجتمعه، من دون أن تتحول قصيدته إلى خطاب مباشر؟
-خديجة شاكر : الالتزام لا يعني أن تتحول القصيدة إلى منشور أو موعظة. يمكن للشاعر أن يتناول الفقر أو الهجرة أو التهميش أو التحولات القيمية من خلال صورة موحية أو حكاية صغيرة أو مفارقة لغوية. الفن يمنح القضية الإنسانية قدرة على الاستمرار في وجدان المتلقي. وكلما استطاع النص أن يجمع بين حرارة الموقف وجمال البناء، اقترب من التأثير العميق.
-كريم القيشوري : ما موقع الزجل في الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي من وجهة نظرك؟
-خديجة شاكر : الفضاء الرقمي يتيح للزجل جمهورًا أوسع، ويمنح المبدعين فرصًا للتواصل المباشر مع القراء والمستمعين. لكنه يشجع أحيانًا على الاستهلاك السريع للنصوص، وعلى فصل المقطع الجميل عن سياقه الكامل. لذلك تظل الحاجة قائمة إلى النشر الجاد، والأرشفة، والنقد، وإلى فضاءات تسمح للنص بأن يُقرأ ويُسمع ويُناقش بعيدًا عن منطق الانتشار اللحظي.
-كريم القيشوري : ما الذي ينبغي أن يتعلمه الجيل الجديد من الزجّالين من التراث، وما الذي ينبغي ألا يكرروه؟
-خديجة شاكر : ينبغي أن يتعلموا الإصغاء إلى اللغة، وإلى إيقاعها وتنوعها، وأن يقرأوا التراث باعتباره تجربة إنسانية غنية لا مجموعة قوالب جاهزة. أما ما ينبغي تجنبه فهو الاكتفاء بتقليد الأساليب السابقة أو استنساخ الصور المتداولة. فالمبدع الحقيقي يتعلم من أسلافه كي يكتشف صوته الخاص، ويجعل من ذاكرة الماضي وسيلة لفهم الحاضر والتطلع إلى المستقبل.
-كريم القيشوري : أخيرًا، ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى المهتمين بالزجل والتراث المغربي؟
-خديجة شاكر : أقول لهم إن التراث مسؤولية ثقافية وأخلاقية، وإن حفظه لا يتحقق بمجرد ترديد أمجاده، بل بالبحث فيه وتوثيقه ونقده وإعادة اكتشاف معانيه. والزجل، مثل سائر الفنون، يحتاج إلى الحرية والاجتهاد والصدق الفني. فلنصغِ إلى ذاكرة الناس، ولنحترم تنوع لغاتهم وتجاربهم، ولنجعل من الإبداع جسرًا يصل الأجيال بعضها ببعض.
كلمة أخيرة :
يكشف هذا الحوار الافتراضي عن ثلاثة محاور مترابطة: الزجل بوصفه إبداعًا لغويًا وجماليًا، والتراث باعتباره ذاكرة جماعية قابلة للبحث والتأويل، والمرأة المبدعة باعتبارها فاعلًا أساسيًا في إنتاج الثقافة وصونها. كما يطرح أسئلة حول علاقة الشفهي بالمكتوب، وضرورة التوثيق، ومسؤولية النقد في مواكبة التحولات التي يعرفها المشهد الثقافي المغربي.

المغرب يكتسح ليبيا بسداسية ويبلغ المربع الذهبي في كأس إفريقيا للفوتسال
نبيل بنعبد الله ومدارس الريادة.. هل ينجح إصلاح التعليم في الحد من الهدر المدرسي بالمغرب؟
جلالة الملك محمد السادس يترأس مراسيم تعيين أعضاء الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري
أوكي..